ملامح جديدة في خطاب الحركات الاجتماية ذات البعد السياسي:جيل زيد 212 GEN Z

فؤاد هنو
أستاذ حاصل على شهادة الدكتوراه في السيميائيات التطبيقية
جامعة مولاي إسماعيل، مكناس.

صورة الكاتب

أن تقول معناه أن تفعل

“أن تؤول معناه، بالنسبة للمؤول، وضع فرضيات حول معرفة المتلفظ ووجهات هذا الأخير بالنظر لعرضه اللغوي وفي العلاقة بذاتك باعتبارك مرسلا إليه (كل تأويل هو محاكمة للنية)”. [1]

“فعل اللغة إذن نتيجة إخراج خطابي يقوم به المتكلم/المتلفظ والمخاطب/المؤول على السواء، من خلال مادة لغوية دلالية-صورية تنتظم في تعاقدات واستراتيجيات كلامية”. [2]

يجمل باتريك شارودو (Patrick Charaudeau) منتهى الكفاية السيميولسانية، بشكل متواضع، كما يلي:

“القيام بعملية تأويل في إطار تحليلنا السيميولساني هو العمل على ربط العلاقة بين مختلف مكونات التحليل اللساني الخطابي (دون ادعاء بأن هذه الأخيرة موضوعية بشكل مطلق) كي نستخرج الدلالة. هذه الدلالة المتعددة، والتي يجب اعتبارها مجرد مجموعة من الفرضيات التأويلية، وهي نتيجة تفكير مزدوج من طرف الذات المؤولة sujet interprétant […] سنجملها بالقول بأن فعل اللغة هو إخراج يبحث المتدخلون بأن يغروا ويقنعوا بعضهم البعض. ولتحقيق ذلك يلعبون عملية إنتاج آثار أحيانا تكون واقعية وأخرى تخييلية.” [3]


1) مدخل نظري: من النص إلى الخطاب ومن المعنى إلى التأويل

بفضل إنتاجات الدرس اللساني، وفي قلبه المقاربتين السيميائية والتداولية في عملية اتصال وانفصال دقيقة الفروق، اتسع مجال الخطاب وتعددت تصنيفاته. وانفتحت لسانيات الخطاب على مجالات متعددة انسجامًا مع رؤية جديدة ومعقدة لمفهوم النص/الخطاب والمعنى والفهم والتأويل.

ومع ذلك، فإن للفهم حدوده كما أكد على ذلك عبد السلام الإسماعيلي علوي في كتابه “حدود الفهم” [4]، وتحدث قبله أمبرطو إيكو عن حدود التأويل [5]، كما حذّر محمد مفتاح من هذيان التأويل عندما تنعدم أسبابه وشروطه.


2) جيل زيد 212: إشكال التسمية وبدايات التشكّل

عندما أخذ المجتمع المغربي—ومعه بقية العالم—علمًا بوجود هذه الكينونة أو الدينامية الاجتماعية الشبابية، احتار الدارسون في تسميتها وتصنيفها، بما فيهم أعضاؤها.

هذه المجموعة الكبيرة وغير المسبوقة المسماة جيل زيد 212 (GENZ) تتحدد:

  • جيليًا: نسبة إلى فئة عمرية وُلدت تقريبًا بين سنتي 1990 و2010.
  • مجاليًا: نسبة إلى المغرب، وهو ما تم الترميز له بالرمز الهاتفي 212.

وكان هذا التخصيص ضروريًا من منظور تواصلي، لأن هذه الكينونة مشتركة وعابرة للقارات. وهي، بالإضافة إلى أسباب تشكلها العامة والخاصة، مرتبطة بعلامات العولمة وبالوسيط التكنولوجي، وقد نشأت وتشكّل خطابها وبُثّ عبر وسائط اجتماعية—وفي الحالة المغربية تحديدًا—عبر تطبيق Discord.


3) من الدردشة إلى الفعل: لماذا فاجأت الحركة الجميع؟

لقد ارتبطت نشأة تطبيق ومنصة ديسكورد في البداية باللعب والدردشة في أقصى الحدود، حسب ما عبّر عنه أغلب مرتاديه. ونفترض أن طبيعة هذه النشأة جعلت أغلب المتدخلين لا يأخذون مأخذ الجدّ نقاشاتهم ودعواتهم وبياناتهم.

لهذا لم نر مجيء هذه الموجة من التعبيرات والاحتجاجات والمطالبات؛ بل إن أغلب المتتبعين—من سياسيين وصحفيين وباحثين في السياسة والسوسيولوجيا—لم يتنبؤوا بهذا الخروج الذي انطلق يومي 27 و28 شتنبر 2025.


4) «عندما تقول فأنت تفعل»: من القول إلى الفعل

لقد أكدت حركة جيل زيد إلى حدود اللحظة مقولة “عندما تقول فأنت تفعل” لصاحبها أوستين (J. L. Austin). وحتى عندما تغيّر مسارها بفعل عوامل ذاتية مرتبطة بطبيعة المجموعة وبنيتها ووظائفها وأدوات عملها وسياقها العام والمحلي بإحالتهما السياسية والتداولية، فهي قالت وفعلت—الآن وهنا على الأقل.

ويُعد الزمن والمكان من المكونات الأساسية لأي وضعية تخاطبية.


5) خطاب في مواجهة خطاب… أم تحليل خطاب؟

بمجرد خروج شباب جيل زيد إلى الشارع، بدأت التدوينات والتغريدات حول هذا الخطاب الذي انتقل من القول إلى الفعل ومن الافتراضي إلى الواقع.

وأغلب من كتبوا في الموضوع فعلوا ذلك لأنهم اقتنعوا ورأوا ولمسوا أن الأمر ليس مجرد قول صادر عن فئة عمرية اعتقد الكثير أنها خارج الفعل الاجتماعي، وأنها إمّا منقطعة عن قضايا المجتمع أو—في أحسن الأحوال—مرتبطة به وبقضايا أخرى عبر الوسيط التكنولوجي، وخاصة عبر وسائط التواصل الاجتماعي.

وقد كان ذلك ديدن أغلب المثقفين والسياسيين المغاربة مع عدة خطابات وتعبيرات ثقافية واجتماعية (الهيبي، الظاهرة الغيوانية، العيطة، الراب…). حيث يبدأ الأمر بالتجاهل والازدراء بأحكام قيمة، ثم عندما يفرض التعبير نفسه في الحياة الاجتماعية والثقافية، ويتحوّل إلى فعل ميداني ورمزي، ينتقل الفاعل السياسي والإعلامي إلى الاقتراب من الظاهرة.

وهنا يظهر ما يسمى في الأدبيات الصحافية والسياسية بـ la récupération، أو ما يسمى في الممارسات الصحفية والسياسية المغربية: الركوب على الأحداث بنيّات مغرضة.


6) المطالب الثلاثة وبنية الحركة: «بلا قيادة» أم «قيادة جماعية»؟

خرجت الحركة بشعارات مرتبطة بثلاث مطالب أساسية:

  1. إصلاح قطاع الصحة
  2. إصلاح التعليم
  3. محاربة الفساد

ولأول مرة في تاريخ المغرب المعاصر، سنأخذ علمًا بحركة نشيطة وقوية بدون قيادة—على مستوى الصورة المعلنة على الأقل.

ورغم مظاهر التشابه بمنطق الحركات الاجتماعية مع حركة 20 فبراير، فإن التحالفات التنظيمية والسياسية كانت واضحة على امتداد مسار تلك الحركة حتى عندما تراجع فعلها.

لكن هل فعلًا كانت حركة جيل زيد بدون قيادة؟ ما رأيناه من خلال تتبعنا من نقاشات وخطابات وتنظيم يقول إن الأمر غير صحيح. ويبدو—انسجامًا مع موقف الحركة من التنظيمات السياسية والمنظمات الحكومية وغير الحكومية، وربما استفادة من تجربة 20 فبراير—أنها احتاطت من مفهوم القيادة بالمعنى التقليدي، وانحازت مؤقتًا إلى القيادة الجماعية:

  • الرأي حر
  • القرار جماعي
  • ولا أحد يملك حق الكلام باسم الحركة

7) التحول الرقمي والسياق المحلي: منطق الإظهار والإخفاء

اعتماد مفهوم القيادة الجماعية، من خلال ما تابعناه من نقاشات وتصريحات لبعض أعضائها واحتياطات تنظيمية، يجعلنا نفترض أن الجماعة واعية بالسياق المغربي ومخاطر ظهور زعامات الحركة، خاصة وأنها لم تكتس طابعها التنظيمي والقانوني الصرف مقارنة بالتنظيمات الكلاسيكية.

هل يتعلق الأمر بتنظيم جديد على صورة التحولات المجتمعية وفي قلبها التحول التكنولوجي، وخاصة الرقمي؟ نظريًا، الأمر مرتبط بهذا التحول الذي طال جميع مناحي الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية. بل إن الحروب نفسها أصبحت تأخذ هذا اللبوس، وأصبح من الصعب معرفة: من مع من ومن ضد من؟ وكيف تمت الحرب؟ وكيف حُسمت؟ وعلى أي معيار؟

لكن الأمر في نظرنا يتجاوز العامل الرقمي، ليشمل عاملًا محليًا سمته العامة الخوف من الظهور وتحمل المسؤولية بشكل علني، وهو مرتبط بسياق حقوق الإنسان وحرية التعبير في المغرب الكبير (شمال إفريقيا) والعالمين العربي والإسلامي.

وهو ما يفضي إلى ممارسة دقيقة بين الإظهار والإخفاء حسب السياقات الممكنة والمفترضة، خصوصًا في زمن معاصر مرتبط بسؤال الخصوصية ومواثيق استعمال الوسائط الاجتماعية.


8) اتساع القول على حساب «عدم القول»: الإيحاء بدل التقرير

تطور مطالب الحركة يوحي باتساع أفقها، أو—بلغة التداوليات—اتساع رقعة القول على حساب عدم القول، كما يذهب إلى ذلك أوزوولد ديكرو (Oswald Ducrot) في Dire et ne pas dire [6].

ويظهر ذلك أيضًا في الاستعانة بلغة الإيحاء بدل التقرير، تجنبًا للاصطدام وتقليصًا لإمكانيات التأويل المغرضة أو الموجهة.


9) خاتمة مفتوحة: دينامية في «كمون»

الزمن السياسي والاجتماعي غير كافيين للحسم في صيغة جواب نهائي، لكن الكثير من العناصر تؤشر على تظافر وتداخل هذه الأسباب في تفسير وضعية تخاطبية جديدة ومعقدة.

وهي وضعية تخضع لتغيرات متواترة بسبب تفاعل المتحاورين، وتغير السياقات، والحساب التأويلي المرتبط بتعدد الفاعلين في فكّ تسنينات وحدات المحتوى وتفاعل مختلف الكفايات التخاطبية [7].

لقد راهن الشباب على الإقناع بقولهم والفعالية بفعلهم. وراهن البعض على أفول نجم الحركة—بل ساهموا في ذلك—من خلال:

  • تبخيس عملها في البداية
  • التوجس من ارتباطاتها وأهدافها في مرحلة ثانية
  • تجريمها في مرحلة ثالثة

ولا نعرف هل سيقف الأمر عند هذا الحد، على اعتبار أن الحركة في حالة كمون، أو—بتعبير أدق—في دينامية داخلية على تماس مع النقاش العمومي عبر مبادرات محسوبة ومتوجسة، خوفًا من استمرار التبخيس والتجريم في سياقين عام ومحلي موسومين بالكثير من المساحات الرمادية.


المراجع

  1. Charaudeau, Patrick. Langue et discours, éléments de sémiolinguistique. Théorie et Pratique. Hachette, 1983, Paris, p. 24.
  2. المرجع نفسه، ص. 58.
  3. المرجع نفسه، ص. 108.
  4. عبد السلام إسماعيلي علوي، حدود الفهم: دراسة سيميولسانية في تدبير الاختلاف، منشورات الدار التونسية للكتاب، تونس، 2018.
  5. Eco, Umberto. Les limites de l’interprétation. Librairie Générale, Paris, 1994, p. 70.
  6. Ducrot, Oswald. Dire et ne pas dire. Hermann, 1972.
  7. Kerbrat-Orecchioni, Catherine. L’implicite. Armand Colin éditeur, Paris, 1968, p. 300.

أضف تعليق