-
تكسير الأنساق في كتاب “مسالك المعنى” للسيميائي سعيد بنكراد
من السجل اللساني إلى السجل الموسوعي
مقدمة
ولازالت المقاربات تتناسل وتتطور لسبر بعض أغوار هذا المنفلت منا وفينا، والمسمى “معنى” في ثنايا الخطاب، عبر هذه الفاشستية المسماة “لغة” كما عبر عن ذلك رولان بارت في إحدى دروسه الافتتاحية حيث يقول بصيغة التأكيد:
[1] ” اللغة كإنجاز لكل لسان، لا هي بالرجعية ولا هي بالتقدمية، إنها فاشية بكل بساطة”
مفسرا أنها لا تمنعك من القول بل تفرض عليك ذلك. فهل اللغة مسؤولة عما نقول؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما حدود مسؤولية منتج الخطاب ومتلقيه؟
الحديث عن اللغة ها هنا ليس بالمعنى اللفظي فقط بل بمعناها السيميائي، أي مجموع العلامات والتعبيرات اللفظية والبصرية. وحضور مصطلح اللغة في هذا السياق ضرورة على اعتبار أننا في عمليات إنتاج العلامات والخطابات نستعمل اللغة قبل الإنتاج وأثناء التخاطب أو التلقي حتى ولو لم يكن النص أو الخطاب لفظيا. ولأن العلامة في عمليتي الإنتاج والتلقي وفي مستوى أعلى التأويل تبنى تسنيناتها وتفك في سياق تخاطبي ثقافي. فلا مناص من العودة للعمق الثقافي لبناء المعنى الممكن وفق فرضيات تأويلية سياقية تربط العلامات بمرجعياتها الثقافية لتيسير عملية الفهم وبناء المعنى من خلال فهم ما يسميه اللساني والأنثروبولوجي الأمريكي جون جومبيرز “المنطق الثقافي” [2]
من أسباب اختيارنا لموضوع المقال والحاجة إليه هو دور الباحث والمفكر السيميائي سعيد بنكراد في توطين الدرس السيميائي في الجامعة المغربية والعالم العربي والمغرب الكبير، ونقله للنقاش الذي كان إلى حين قريب محصورا بين أسوار الجامعات ومراكز البحث على قلتها إلى الفضاء العمومي متجاوزا الشكل التقليدي في تقديم الدروس النظرية إلى ورشات بحث وسعت موضوعات الدرس السيميائي بعدما بسط وقدم وترجم الكثير من الأطر المرجعية والمفاهيم ذات العلاقة جامعا بين أصالة البحث وديداكتك المعرفة.
في محاولته الموسومة ب ” مسالك المعنى: تأملات في بعض أنساق الثقافة العربية” يعود الكاتب من خلال مقالاته الشيقة والعميقة للحفر في ذاكرة لغوية وبصرية بحثا عن المنطق الثقافي، مقترحا مسالك وطرقات محفوفة بمخاطر المتاهات، منها ما هو مرتبط بتعقيد وتمنُّع المعنى، وما هو مرتبط بطبيعة الأسئلة المطروحة بخصوص قضايا مقلقة ومحل جدال. ونحن نحتاج للكثير من الشجاعة لتجريب تلك المسالك، من مثيل الرموز الانتخابية، وصورة المرأة وموقعها من خلال اللغة، وغيرها من المواضيع التي تبحث عن معنى كامن، لكنه غير جاهز في خطاب تقريري بقيم وشعارات واضحة، بل ينشر ظلاله وينتشر على امتداد المسالك دون ملامح جاهزة. وهي محتاجة أيضا لباحث متمكن من أدواته السيميائية وعارف بأسرار البلاغة، وعاشق للمعنى ومتعه حتى في أضيق المسالك وأصعب الوضعيات.
نعتبر أن ما قام الباحث سعيد بنكراد محاولة غير مسبوقة من حيث المقاربة ونعتبرها تندرج فيما يسمى بالسيمائيات الثقافية بأفق بيثقافي ونقدي ومعتمدة على تكامل التخصصات. ومثل هذه التأملات كما سماها الكاتب نفسه، أساسية وتشكل إحدى المرجعيات التي يمكن اعتمادها في قراءة وتحليل الخطاب الثقافي لأنها تستحضر المعايير الكونية في تحليل الأنساق. كما أنها تشتغل على أنساق ثقافية عربية ومغربية، وهي صادرة عن باحث مغربي ابن هذا الفضاء العربي والمغربي الكبير بتنوعه وتعدده الثقافي وهو أيضا مطلع على أنساق ثقافية أجنبية تؤهله للدراسة والتحليل والمقارنة.
أهمية هذا النوع من المحاولات تكمن أيضا في كونه يوسع من دائرة الأنساق وينوع في أشكالها ولا يقف عند حدود اللساني الذي يهيمن على الخطابات بل يجمع الباحث في محاولته بين اللساني والأيقوني والتشكيلي وغيرها من التعبيرات الثقافية مما يجعله قريبا من المقاربة السيميولسانية دون أن يكون سجينا لحدودها.
سعيد بنكراد: من السجل اللساني السردي إلى السجل الموسوعي
لقد راكَم سعيد بنكراد منجزا غزيرا ومتنوعا غطى الكثير من مجالات الدرس السيميائي، وهكذا أصّل لاختياره ومشروعه الذي دشن جيلا جديدا من السيميائيات العربية في ارتباطه بقضايا الثقافة والمجتمع، وذلك انسجاما مع اجتماعية اللغة والعلامات عموما بشكلها اللفظي وغير اللفظي، بعدما رافع ككبار السيميائيين عن حق هذا العلم في الوجود في سياق كان يُلْحَقُ بمجالات أخرى خاصة اللسانيات والنقد الأدبي على خطى أمبرطو ايكو وغيره. هذا الأخير يؤكد ذلك قائلا:
“هيمنت في الستينيات على السيميائيات مركزية لفظية خطيرة بحيث لم تكن تعطي كرامة التعبير إلا للأنساق التي ثبت توفرها على خاصية التمفصل المزدوج أو بدا الأمر كذلك”[3]
وفي إطار دحضه لشمولية التمفصل المزدوج تحدث أمبرطو إيكو عن السنن السينمائي بعد تطبيقات على الصورة الفيلمية، حيث نصبح أمام تمفصل ثلاثي تتفاعل فيه العلامات والأشخاص بإشارات وحركات دالة، وفي هذه الحالة وغيرها يقف النموذج اللساني عاجزا [4] وهكذا أصبحت للفيلم تسنيناته السردية الخاصة ونحوا للمونتاج وجهازا بلاغيا تهتم به سيميولوجيا الفيلم[5].
تلك كانت وضعية السيميائيين في فضاءات هي من استنبتت السيميائيات في أصولها بمختلف تقاليدها البحثية وعلى رأسها التقليدين الأوروبي والأنجلوساكسوني. ولكم أن تتصوروا الوضع في البلاد العربية والمغرب الكبير حيث قرر الباحث والمفكر سعيد بنكراد أن يؤصل هذا العلم الجديد والذي كاد أن يكون غريبا على هذه التربة لولا عمل الجيل الأول من السيميائيين الذين قاموا بدور معرفي وتاريخي في التعريف به واعتماده في تحليل النصوص والخطابات وخاصة الأدبية أمثال مصطفى الشادلي ومبارك حنون ومحمد مفتاح. إن حمل مشروع كهذا يتطلب تكوينا ومعرفة ومنهجا وهو ما اجتمع في الرجل. ولأن البنية الثقافية والسوسيولوجية في السياقين المغربي والعربي في غاية التعقيد والتركيب كما عبر عن ذلك الكثير من الباحثين السوسيولوجيين وعلى رأسهم بول باسكون وعبد الكبير الخطيبي فقد كان الأمر يتطلب بالإضافة إلى العدة المعرفية والمنهجية شجاعة أدبية وعلمية وهذا ما عبر عنه الباحث إدريس جبري ب ” سؤال السيميائيات المناضلة في أعمال سعيد بنكراد”[6] حيث يقول:
” ولعل أسمى معاني ” النضال” و ” المناضلة” بصدد ما نحن فيه، هو النضال من أجل إنسانية الإنسان، بكل أبعادها الفكرية والثقافية واللغوية والسياسية والحقوقية والحضارية والوجودية. إنها ضد كل سلطة تسعى إلى المساس بهذه الحقوق والغايات. وسيميائيات سعيد بنكراد بهذا المعنى، سيميائيات ” مناضلة” أفقها يسير في اتجاه مقاومة كل أشكال ظلم الإنسان، ذكرا أو أنثى، أو استغلاله أو اضطهاده، أو تشييئه تحت أي مسمى، مقدسا كان أو غير مقدس”
لقد كان المفكر والسيميائي سعيد بنكراد واعيا بالأمر ومستعدا له، أولا لأنه خبر النضال وأدى ضريبته وثانيا لأنه أعد العدة لذلك وهذا ما عبر عنه بلغة البلاغة في إحدى الدروس الافتتاحية لماستر السيميولسانيات بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس سنة 2018 حيث أكد أنه عندما عاد إلى المغرب، بعد رحلة المنفى الاختياري، حيث أقام في مدرسة باريس حقيقة ومجازا، عاد حاملا رصاصا سيحلل به كل النصوص والخطابات، والرصاص بطبيعة الحال هو تراكم مدرسة باريس في المجال السيميائي.
لقد بدأ من البداية، تدريس ومحاضرات وكُتُب تُغَطي القضايا ذات العلاقة بالسيميائيات من مفاهيم ونظريات ومدارس. لقد كان من الضروري أن يستكمل استنبات الدرس السيميائي بالجامعة المغربة، وفي سياق تأصيل هذا العلم في التربة المغربية والعربية انفتح على آفاق أخرى بحيث راكم منجزا غنيا وغزيرا تنظيرا وممارسة دون أن يكون سجين منهج بعينه ولا مدرسة بعينها في وقت كان من الصعب أن تنحت تجربة محايثة دون الاصطفاف في معسكر من المعسكرات حيث السيادة كانت للسجل اللساني والكثير من اللسانيين وأساتذة الأدب العربي -ولازال البعض منهم وللأسف- يعتقد أن السيميائيات مجرد تنويع من التنويعات النقدية.
لم يلتفت الرجل لبعض الحروب الصغيرة فهو صاحب مشروع وموقف، وهكذا سافر من مدرسته الأم إلى آفاق أرحب وجرب الكثير من المقاربات واشتغل على الكثير من الخطابات. كتب العديد منها تأليفا وترجمة، ولا يتعلق الأمر بمجاملة طالب لأستاذه، فمنجزه شاهد على ذلك لدرجة أن جل إن لم نقل كل البحوث الرصينة في الدرس السيميائي المغربي والعربي لا تخلو من الإحالة عليه.
لقد انحاز سعيد بنكراد للسيميائيات التأويلية بعدما جرب وراكم وانتقد حدود الكثير من المدارس بما فيها مدرسته بشجاعته المعهودة:
” طلقت الخطاطات المسبقة وطلقت الأحكام النظرية التي تنظر إلى النص باعتباره جثة هامدة، لكي أتبنى رؤية جديدة تمنح النص كل ما يقتضيه العمل الإبداعي دون أن نغفل السياقات التي يتحرك ضمنها القارئ، فأفق النص موجود في حدود وجود أفق قادر على تحيينه”[7]
في هذا البيان السيميائي، يعلن سعيد بنكراد بضمير المتكلم المفرد في سياق تخاطبي حواري أنه طلق بإرادته الخطاطات والأحكام، وهو في ظاهره تمرد ومسح للطاولة لكن ليس بمعنى الإلغاء والقطيعة لأنه يقيد المطلق فيها ويخص بالذكر تلك التي تنظر للنص باعتباره جثة هامدة. فلا يمكن لمن ساهم في تشييع المؤلف وعاصر وتفاعل مع رولان بارط وأمبرطو إيكو أن يساهم في قتل النص وهو الذي لا يكف عن ترديد مقولة جاك دريدا ” لا شيء خارج النص”. وبعيدا عن منطق التماثل أفترض أن سعيد بنكراد يحمل روح التفكيكية على الأقل في دأبه على نقد وتكسير الأنساق خاصة عندما يفترض أن مغالطة أو وهما يثوي في خطاب أو علامة. ولأن المعنى سياقي لحظة إنتاجه وتلقّيه فقد اعتبره كغيره من محللي الخطاب المعاصرين أساسيا في تلقي المعنى وبناءه. وانسجاما مع هذه الرؤية في تحليل الخطاب يعتبر أن الأفق الذي يُخلّد النص ويجعله حيا بيننا هو قدرتنا على تحيينه في سياقات وفق رؤية جديدة ومتجددة تَجَدُّد َحركية السميوز والتي هي رؤية سعيد بنكراد كما قرأناها في منجزه وكما فهمناها في بيانه.
في عملية الانتقال من سياق لآخر ومن مجال لآخر تيسير لعملية الفهم وانسجام التأويل بحيث يجب بناء تعاقد جديد لأن الأمر يتعلق بتكسير أنساق متداولة تقتضي وتحتاج لنموذج دلالي جديد كما عبر عن ذلك أمبرطو إيكو آن حديثه عن علاقة المتلقي بالأعمال الفنية والحاجة لتسنينات جديدة حيث يورد عدة أمثلة من بينها موقف المتلقي من التشكيل الانطباعي في بداياته حيث لم تتم استساغته واعتبره البعض غير ذي معنى. والحال أن الأمر يتعلق بغياب نموذج دلالي. غياب نموذج للتلقي، وعملية قبول هذا الفن وغيره تتم عبر مأسسة سنن جديد واقتراح تعاقد جديد.[8]
نفس المفهوم يعود بصيغة أخرى في مقاربة أخرى هي المقاربة السيميولسانية مع باتريك شارودو الذي يشترط عقدا تواصليا. ويعتبر في مقاربته السيميولسانية أن عملية التخاطب تقوم على أساس عقد حسب طبيعة الموضوع أو جنس الخطاب أو الأفراد المشاركين في عملية التخاطب:
“مفهوم العقد يقتضي أن الأفراد ينتمون لنفس جسم الممارسات الاجتماعية، أي قابلين للاتفاق حول التمثلات اللغوية لهذه الممارسات الاجتماعية”.[9]
فعلُ الخطاب من فعلِ اللغة، لكن الخطاب بخصوصيته وكينونته ليس محايدا كاللغة في مرجعها النحوي. عندما ننتج خطابا فليس الأمر محصورا في الإخبار والإنشاء، بل لكي نؤثر على الآخر. فنحن نحتاج لاستراتيجية تؤطرها رؤية للعالم، وهذا ما أكد عليه أيضا باتريك شارودو آن الحديث عن البعد المعرفي للغة بالإضافة للبعدين النفسي والنفسي الاجتماعي والبعد السيميائي. فهو عند ايراده للرؤية للعالم تساءل إن كانت مرتبطة باللغة أو متجاوزة لها ودعا للتساؤل في إطار علائقي عن العمليات الدلالية -المعرفية للبنينة اللسانية للعالم.
ويعتبر باتريك شارودو ككل التداوليين السياق حاسما في بناء المعنى على اعتبار أن:
” الخطاب هو مكان إنجاز أفعال الكلام. إنه مكان الاستعمالات، لكن في سياق وتحت مسؤولية المتكلمين والمؤولين والمتفاعلين حسب انتمائهم الاجتماعي وحسب ذاتيتهم من خلال عدة تبادلات محددة في المكان والزمن”[10]
دومينيك مانغينو نفسه اعتبر السياق حاسما في تحديد المعنى وطبيعة الخطاب حيث يقول:
“نعرف أننا لا يمكن أن نتصور حقيقة معنى ملفوظ خارج السياق. نفس الملفوظ في مكانين مختلفين يناسب خطابين مختلفين”.[11]
أهمية السياق في بناء وإنتاج الخطاب وكذا تلقيه تتأكد من خلال أثر هذا الخطاب باعتباره فعلا خطابيا مُخْرجا وفق رؤية للعالم هي جوهر البعد المعرفي لغاية التأثير وصناعة الرأي والقناعات بطريقة تقريرية أو إيحائية باعتماد ثنائية رولان بارط وهذا ما يؤكده مانغينو قائلا:
[12] “الخطاب شكل من الفعل […] أن تتكلم فذلك شكل من الفعل على الآخر وليس مجرد تمثل للعالم”.
“أن تؤول معناه، بالنسبة للمؤول، وضع فرضيات حول معرفة المتلفظ ووجهات هذا الأخير بالنظر لعرضه اللغوي وفي العلاقة بذاتك باعتبارك مرسلا إليه (كل تأويل هو محاكمة للنية”[13]
وعودة لموضوع التأويل، منتهى الكفاية السيميولسانية يجمل عمله بشكل متواضع كما يلي:
“القيام بعملية تأويل في إطار تحليلنا السيميولساني هو العمل على ربط العلاقة بين مختلف مكونات التحليل اللساني الخطابي (دون ادعاء بأن هذه الأخيرة موضوعية بشكل مطلق) كي نستخرج الدلالة. هذه الدلالة المتعددة، والتي يجب اعتبارها مجرد مجموعة من الفرضيات التأويلية، وهي نتيجة تفكير مزدوج من طرف الذات المؤولة، سنجملها بالقول بأن فعل اللغة هو إخراج يبحث المتدخلون بأن يُغْروا ويُقْنعوا بعضهم البعض… ولتحقيق ذلك يلعبون عملية إنتاج آثار تكون أحيانا واقعية وأخرى تخييلية”[14].
إن الانتقال من الحديث عن العلامة اللسانية للحديث عن الرسالة البصرية ثم العلامة البصرية دليل على أن العلامة أكثر تركيبا وتعقيدا من أن يحيط بها السجل اللساني، مما تطلب تدخل نظريات ومقاربات جديدة تبحث في تجليات المعنى في مختلف تعبيراته وأشكاله. والحديث عن البعد البصري بقدر اعتماده على الحواس، إحدى وسائلنا لإدراك العالم والتفاعل معه، فهو مرتبط بتحول عنوانه الثورة التكنولوجية والرقمية والحجم الذي أصبحت تحتله الصورة في الحياة اليومية في المدرسة والاعلام والاقتصاد والسياسة والثقافة.
لقد كان المكون الثقافي دوما حاسما في صناعة العلامة وفك سننها، على اعتبار أن عمق العلامة ثقافي، وحياة العلامة في سياقها التداولي تفسرها الثقافة، بل لا يمكن أن نتصور علامة خارج مجال الثقافة. ونحن في جميع الحالات نتوسل بالثقافة لفهم العلامة، وبالثقافة أيضا نستعين كي نقنع الآخرين أن ما نقوله أو نفعله له معنى، بل أحيانا من حيث ندري أو لا ندري نحاول إقناع الآخر بأنه المعنى الأصح وربما الوحيد حيث نركب صهوة الحجاج وتصبح المغالطات من بين أسلحة التأثير والتحكم. ولأن الثقافة تتطور وتتغير وتتراجع أحيانا أخرى، بحيث تخضع عملية الحضور والتواري لإيقاعات مختلفة حسب السياقات والأزمنة بفعل قوة حضور العلامات والخطابات وأجهزة وأدوات ترويجها وصناعتها. وفي زمن ما بعد الحداثة وما بعد العولمة، وحيث سيادة الوسائط التكنولوجية والممارسات الرقمية التي غيرت تمثلاتنا وزعزعت الكثير من التصورات التي كادت تكون بديهيات، أصبحت الحاجة أكثر من أي وقت مضى لإعادة تحديد مفهوم الثقافة بما يدمج كل هذه التحولات ويسعفنا في فك سننها وإعادة تشكيل المعنى هنا والآن، وإلا سقطنا في منطق اليقينيات، أو أصبحنا عرضة لاستهلاك نماذج دون أن نفهم ونعي سياق وأهداف إنتاجها، ونصير مجرد مستهلكين ومرددين لتمثلات وتصورات قد تكون حمالة لدعاية مغرضة بقصدية التحكم وصناعة الرأي.
لم تعد اللغة بشكليها اللفظي والخطي هما الوسيطان المهيمنان في الخطاب، بل ساهمت التحولات الاجتماعية وفي قلبها الثورة التكنولوجية وبعدها الرقمي في ظهور محتويات وأشكال تعبيرية جديدة، قد نجد للبعض منها جذورا في التراكم الثقافي للإنسانية في تفاعل مع الطبيعة ودينامية تطور المجتمعات، لكن شكل ومحتوى هذه الخطابات يحمل من العناصر الجديدة ما يدعونا لتوسيع أفق قراءتنا، بحيث تستوعب هذه النصوص والخطابات التي أصبحت تأوي أجناسا مختلفة الطبيعة والنشأة.
عندما تهيمن العاطفة على الخطاب وخاصة على مستوى شروط الانتاج وكذا سياق التلقي، وعندما نتوسل بوسائط تكثف هذه الأحاسيس، قد نصبح مهيئين لبلع المغالطات واستساغتها، وقد نتحول لرجع صدى هذه المغالطات دون العودة لأصولها قصد التمييز بين السبب والعَرَض والربط بين السبب والنتيجة وتفكيك وعقلنة الطريقة والأداة سواء كانت لفظية أو غير لفظية (سمعية أو بصرية..).
الثقافة كالعلامة والمعنى عموما ليست معطى جاهزا، بل تحتاج لمتلقي أو قارئ وفي آفاق أعلى تحتاج لمؤول. فهذا الأخير بالإضافة لمسؤوليته في كشف المنطق الثقافي الذي تحكم في إنتاج العلامة يضل منفتحا ومطلعا على ديناميتها في العلاقة بالمحيط الاجتماعي، على اعتبار أن هذه الأخيرة بنْت سياق اجتماعي.
ولأن الثقافي يتجاوز اللساني إلى مجال أرحب هو التعبيري، ولأن السيميائيات بتطورها وانفتاحها استطاعت أن تقوم بعملية الاستيعاب والضم والدمج، فإننا نفترض أهميتها وفعاليتها في مقاربة الثقافي في تحليل الخطاب، ولسنا مطالبين بتقديم الدلائل على ذلك في الشقين النظري والتطبيقي، فطبيعة العلامة باعتبارها الموضوع الأولي للسيميائيات مهما اختلفت باختلاف النظريات والمرجعيات (ثنائية ؛ ثلاثية ) فهي تُنْتَج في سياق ثقافي وتفك شفرتها بمرجعية ثقافية معينة، وهذا ما يفسر اختلاف دلالات الأشياء والرموز والألوان وإيحاءاتها من ثقافة إلى أخرى بل داخل نفس الثقافة.
ونحن في إصرارنا على توسيع حدود الفهم نستعير آليات أنتجها تحليل الخطاب بجميع أطره المرجعية وامتداداته المجالية والتطبيقية. هل سنستأصل المغالطات الحجاجية من الخطاب؟ هو حلم المؤول يحوله أحيانا إلى عقيدة وهو مقتنع بأن ذلك مجرد وهم، لكنه يستثمره كحافز لإسقاط أقصى ما يمكن من الأقنعة التي تغلف الخطابات. اننا لا نستطيع استئصال كل المغالطات، لسبب بسيط، هو أنها تسكننا، فنحن من ينتج الخطاب ونحن من يؤوله، ومتى استطعت الفصل بين الفكر واللغة، استطعت أن تفصل بين الخطاب وذاتية منتج الخطاب وكذا متلقيه أو مؤوله. إننا بحاجة إلى مقاربات متعددة، بل مدمجة وهذا ما يفسر جزئيا ظهور مقاربات مثل السيميولسانيات (باتريك شارودو)، والسيميوتداوليات (روجيه اودان).
تكسير الأنساق الثقافية في محاولة مسالك المعنى لسعيد بنكراد
يبدأ السيميائي سعيد بنكراد في محاولته من خلال مقدمة الكتاب بتأكيد أهمية الثقافة ومركزيتها في علاقتها بالطبيعة وقدرتها على تفسير العالم وتقريبه:
” فقد كانت الأولى (ويقصد الطبيعة) في تصورهم (ويقصد الفلاسفة) معطى سابقا على وجود الإنسان في اللغة وفي المجتمع، أما الثانية (ويقصد الثقافة) فتمثل أشكال التوسط بينه وبين عالمه، فهي أساس تاريخه في الأرض”[15]
ولأن جوهر الثقافة هو المعنى الذي نبنيه ونتداوله عبر اللغة وغيرها من التعبيرات السيميائية فنحن نلتجأ للعلامات لمحاولة توصيف وترميز ذلك المعنى باعتبارنا كائنات ثقافية:
” إننا نتحكم في الأشياء عبر العلامات، أو بواسطة أشياء نحولها إلى علامات دالة على أشياء”[16]
الكاتب في محاولته وكغيره من السيميائيين وخاصة مع الاتجاه التأويلي يُفْرد للسياق أهمية خاصة وهو كباتريك شارودو وغيرهم يعتبرون محاولاتهم مجرد فرضيات للقراءة بعيدا عن منطق اليقين ووهم الحقيقة:
” ذلك أن كل فرضية ليست سوى محاولة لتجسيد حالة دلالية من خلال بناء قصد جديد ليس معطى من خلال التنظيم المباشر للواقع”[17]
وهكذا يعتبر محاولته فهما وتأويلا ممكنين وفق فرضيات معينة هدفها رفع الظلال التي تخفي المعنى الذي يختفي في المألوف باستعادة كلماته، بل يحث القارئ على البحث عن سبل أخرى للقراءة لإغناء الموضوع والنظريات على السواء وفي ذلك في نظره استنبات لها في التربة الثقافية العربية.
لقد تضمن الكتاب عدة مقالات بعضها سبق نشره في منابر أخرى. المشترك بينها أنها حاملة للبعد والعمق الثقافيين من خلال ممارسات ثقافية واجتماعية وسياسية ودينية .. عنوانها الممارسات الثقافية والاجتماعية في مختلف مظاهرها انسجاما مع رؤيته المؤسسة لجيل جديد من السيميائيات كما أكدنا ذلك سابقا، والتخلص من هيمنة اللساني ليعانق رحابة السيميائي في ارتباطه بقضايا الفرد والمجتمع.
لقد اخترنا ضمن المقالات الكثيرة والهامة عينة نفترض أنها أقرب لسؤال مقالنا المتعلق بتكسير الأنساق، وإن كنا نعترف أننا وجدنا صعوبة حقيقية في ذلك على اعتبار أن الكاتب جمع بينها وفق وحدة موضوعية. لكن طبيعة وحجم المقال يقتضيان ذلك على أمل العودة لهذه المحاولة في شموليتها.
الذكورة والأنوثة بين النوع النحوي والأحكام الثقافية.
بدأنا بهذا المقال وهو غير الترتيب الوارد في الكتاب لسببين اثنين، أولهما حضور الثقافي بشكل مكثف وظاهر لفظا، وثانيهما ربط سؤال النوع باللغة.
بعدما فصّلَ في تتبع دلالة المفهومين بالعودة للمعاجم العربية وعلاقة ذلك بالبيولوجيا، يستنتج الكاتب أن الكثير من الأوصاف الإيجابية بالمعنى المعياري والاجتماعي ترتبط بالرجل:
” المدخل القاموسي ” ذكر ” دال على الجنس المذكر رجل، ولكنه دال في الوقت ذاته على حقل دلالي واسع يتضمن بالإطلاق على كل القيم الإيجابية التي تُسْنَد إلى الصفة” [18]
أما الأنوثة فمرتبطة بالخصائص البيولوجية ودور المرأة في التناسل والتوالد، لكن الكاتب وانسجاما مع رؤيته المنتصرة لأهمية ودور الثقافة وحمولاتها الاجتماعية في تحليل الخطاب يضيف:
” فكل خاصية تُسْند إلى المرأة، عن حق أو باطل، لا يمكن أن تَسْلَم من تأويل اجتماعي. ذلك أن مصدر العوامل النفسية ” الفطرية في واقع الأمر ليست سوى ما يبنى في الخطاطات الثقافية، فهي ما يقدم لها من تبرير في ” الطبيعة”، وهي ما يصد عن التشكيك فيها” [19]
هذا التمييز في الثقافة والذي تسلل للمعاجم والنحو عموما، تسلل أيضا للسجل أو اللسان الدارج بشكل أعنف ( راك راجل – هادي غير مرا – غير ولية – قطة – توتة – الزين زينة والعقل نشريه ليك …)
التوصيف المعجمي والنحوي الذي نلمس من خلاله انحيازا للرجل انتقل لمختلف الخطابات مما أثر على توزيع الأدوار والوظائف وهذا ما أكده الكاتب من خلال العودة للمعاجم وكتب النحو قائلا:
” يكفي أن نشير في سياق التقابل بينهما أن الكثير من الوظائف هي مذكرة في اللغة مما يوحي بوجود أصل اشْتُقَّ منه فرع: طبيب طبيبة، مدرس مدرسة، فلاح فلاحة. ففي كل هذه الحالات ومثيلاتها يُشْتقُّ المؤنث من المذكر بإضافة تاء التأنيث”[20]
باتريك شارودو في كتابه ” اللغة ليست جنسانية [21] يعرض النقاش حول سؤال النوع وخلفياته في اللغة وظهور ما يسمى بالكتابة الدامجة بأوروبا وخصوصا بفرنسا، لجعل النساء أكثر بروزا في اللغة والحياة الاجتماعية وخاصة في تسمية بعض المهن[22]. لقد ذهب البعض لدرجة المطالبة بلغة محايدة ولكل دفوعاته وأسبابه. باتريك شارودو بعد طرحه لهذا النقاش اعتبر أنه غير معني بالجدال في الموضوع قائلا:
” نترك لهذه المعسكرات مسؤولية مواقفها وسنقتصر على ملاحظة أنه على عكس ما يتم تأكيده أحيانا، فإن اللغة ليست أكثر تسييسا مما هي منطقية، وأن استعمال الفاعلين الاجتماعيين هو الذي يعتبر سياسيا ومن ضمنهم هيئات تقعيد الاستعمالات الكتابية لغايات مرتبطة باستقرار قواعد الكتابة” [23]
ويبدو في نظرنا أن موقف باتريك شارودو فيه بعض اللبس وربما ارتبط ذلك بقصور بفهمنا فقط، فنحن نفترض أن تدخل السياسي في التقعيد هو تعبير عن مخرجات ميزان قوى يفرضه سياق اجتماعي واقتصادي يؤثر على الثقافة واللغة.
يتبدد بعض اللبس عندما يعود الكاتب للتمييز بين اللغة النسق والذي يرتبط بالتعاقد الاجتماعي[24]. واللغة المعيار الذي يرتبط بما نقول وما لا نقول وفق فهم معين للنسق، وهنا تدخل الانطباعات والأهواء والمواقف والمصالح … حيث يمكن أن نتلمس الحضور الجنساني في اللغة[25]. واللغة الخطاب باعتباره مكان إنجاز أفعال الكلام كما أوردناه سابقا بلسان كاتبه، حيث تتفاوت المقاصد والأهداف والانتماءات وطرق وأشكال التعبير، وحيث يؤكد باتريك شارودو أن معنى كل فعل كلامي ليس فقط في ” ماذا نقول؟” لكن أيضا في ” كيف نقول ذلك” [26]
أكيد أن لكل كاتب ومنتج خطاب بعده المعرفي ورؤيته للعالم، ولأننا نسعى لفهم كل هذه الأبعاد لتوسيع أفق الفهم، نعتبر أنه انسجاما مع كينونة اللغة باعتبارها ظاهرة اجتماعية ومنتوجا ثقافيا من أرقى التعبيرات الاجتماعية والثقافية لا تخلو من إعادة إنتاج خطاطات هي في أحد وجوهها انعكاس لما ساد في المجتمع من توازنات وميزان قوى قابل للتغيير وفق سياقات تاريخية واجتماعية معينة. ولعل تاريخ اللغات عموما شاهد على ميلاد وتطور وموت بعض اللغات على قلتها.
” تمغربيت”
في سياق النقاشات المجتمعية والعمومية تظهر من حين لآخر مقولات لغوية وخطابية تُرَوَّج بحجم قدرتها الإقناعية وحاجة المجتمع لها وأساسا باستنادها على البحث والتقصي عن الحاجات الحقيقية للفرد والمجتمع بما ينهض بواقعهما ويساهم في تنميتهما حقيقة. وذلك سيؤثر بالضرورة على صورتهما، لا محاولة تجميل صورة بامتطاء لعبة التواصل والحجاج. فالتواصل والحجاج يَسْنُدان قضايا نعم، لكنهما لا يصنعانها إلا إذا كان الأمر يتعلق بصناعة الرأي العام والتحكم بالمعنى الذي يتكلم عنه نوام شومسكي عندما تحدث عن الوسائل العشر للتحكم.
في مقاله ” تمغربيت ” ضمن محتويات كتاب “مسالك المعنى” الذي نشر في منابر أخرى منها جريدة” لكم. كوم” والذي تم تداوله في الكثير من الوسائط وخلق نقاشا حيويا، يفكك سعيد بنكراد المقولة معتبرا إياها منفلتة للتصنيفات السوسيولوجية وهي في محاولتها تعويض مفهوم الهوية المغربية المعروفة الأصول والأبعاد مجرد عناصر فلكلورية:
” فالكثير مما كان يعد جزءا من الهوية تحول اليوم إلى عناصر فلكلورية لا تستثير أحدا ولا يتذكرها الناس إلا في المواسم أو في بعض الطقوس الدينية” [27]
ويعتبر سعيد بنكراد أن الأمر شبيها بالأساليب الدعائية القديمة التي تقوم على استثارة الانفعالات، ومحاولة امتصاص التناقضات الاجتماعية وتبديل الأسماء فيصبح الفقر هشاشة والبرنامج مشروعا والمساواة حقوقا وزجر الغشاشين حماية المستهلك والمناضل محتجا …
إنها في نظرنا محاولة لإعادة تشكيل الهوية المغربية وفق خطاطة قوامها عملية الشحن والإفراغ بما يخدم أمزجة ومصالح فئة قليلة على حساب السواد الأعظم وذلك ديدن الليبرالية المتوحشة التي بعدما توغلت في الاقتصاد والسياسة أصبحت تشتغل على الثقافة والذاكرة في عملية مسح وشحن دائمتين وفق دفتر تحملات بلغة الاقتصاد.
“تمغربيت” بالنسبة لسعيد بنكراد، لا توحد بين الناس كما يبدو ظاهرها وكما يحاول التواصل حول ذلك دُعاتُها باستثمار ما يسميه غوستاف لوبون ” الروح الجماعية” [28]. ولو كان الأمر كذلك لوحّدت بين المغاربة في قضايا خلافية كمدونة الأسرة عندما سجل التاريخ أن المغاربة تفرقوا بين مسيرتي البيضاء والرباط وها هو يسجل أنهم تفرقوا بين من يناصر إيران ومن يصارعها كما اختلفوا قبل ذلك حول القضية الفلسطينية وفي سياق الصراع الاجتماعي انبثقت مؤخرا مقولة “تازة قبل غزة ” حيث ظاهرها الدعوة للوطنية وعمقها في العلاقة ب ” تمغربيت” محاولة يائسة لفصل المواطن عن قضاياه التاريخية والإنسانية. وذلك لا يعني أننا لا نملك هوية جماعية:
“فالانتماء إلى مجموعة ما لا يقتضي انسجاما ثقافيا، إنه في واقع الأمر حصيلة إرادة سياسية وقد تتشكل هويات جماعية حتى في غياب وجود ثقافة ولغة مشتركتين” [29]
وفي معرض نقده للمقولة وتفكيكه للنسق الذي أنتجها، ينبه ويحذر سعيد بنكراد من مخاطر تسييدها قهرا قائلا:
” ويمكن أن تتحول ” تمغربيت ” إلى مدخل نحو الشوفينية والعنصرية والاكزينوفوبيا” [30]
إن مقولات من مثيل “تمغربيت” وغيرها والتي لا تستند على أساس سوسيولوجي وليس لها مرجعية لا لغوية ولا ثقافية علمية، لا تعدو أن تكون مغالطات وأساليب دعائية من أجل التشويش على الفرز الطبيعي للتعبيرات الاجتماعية المعبرة عن التناقضات الاجتماعية والتواقة للانعتاق والحرية بعيدا عن أية هوية عمياء ولا نقد متوحش كما كان يقول دوما عبد الكريم الخطيبي، ولا هويات متقاتلة كما يقول أمين معلوف.
الهوية البصرية والترميز السياسي: قراءة في رموز الأحزاب السياسية المغربية
ولأن المعنى سياقي، يبدأ سعيد بنكراد ببسط السياق العام لظهور الألوان والرموز الانتخابية باعتباره إجراء تحديثيا ضمن إجراءات أخرى في إطار تطوير وتحديث الممارسات السياسية بالمغرب كنظام الاقتراع والقانون الانتخابي عموما. ولتأطير عمله نظريا داخل الحقل السيميائي يعتبر الرموز الانتخابية من صلب الهوية البصرية[31]، وهو ما تم اعتماده قانونيا وتنظيميا سواء في العلاقة بالانتخابات أو بباقي الأنشطة الاقتصادية أو الاجتماعية من مقاولات وتنظيمات وغيرها.
انسجاما مع مقولة ” الواقع لا يرتفع ” ارتبطت الرموز الانتخابية بحجم الوعي الاجتماعي والثقافة الفنية والجمالية. ولان المجتمع المغربي لازال يأوي بعض مظاهر الجهل والأمية ولأن أغلب الأحزاب تستثمر وللأسف في هذا العائق نحو التنمية والديمقراطية فقد نزعت حسب سعيد بنكراد نحو التبسيط واعتماد المحسوس في تقريره بدل الرمزي في إيحائه وجماليته، وكذا ارتباط ذلك بحجم حضور المكتوب في الحياة الاجتماعية والثقافية[32].
وبناء على ذلك يعتبر الكاتب أن أغلب الأحزاب في اختيارها لرموزها الانتخابية لم تقم بعمل تجريدي كاف ولا نعرف إن كانت فعلا قد كلفت فرقا مختصة في التواصل بهذا العمل أو أن أغلبها كان اعتباطيا باقتراح من هذا أو ذاك وقد أورد في سياق حديثه سردية تتحدث عن كون أحد الرموز تم اختياره باعتباره رمز المنطقة التي ينتمي إليها الأمين العام لأحد الأحزاب. إن تحديد الهوية البصرية لا يقل أهمية عن تحديد الهوية الإيديولوجية والسياسية على اعتبار أن جوهر التواصل مرتبط بالعلامات والرموز كما أن جوهر الثقافة رمزي بحيث ننسى الكثير من التفاصيل وتظل الرموز في أذهاننا وربما كان تأثيرها علينا هو الحاسم في اختياراتنا العاطفية والاجتماعية والسياسية وفي هذا السياق يؤكد سعيد بنكراد أن:
” فهو (ويقصد الرمز) يمتلك خاصية استثنائية تجعله قادرا على تكثيف كل تأثيرات الشعور واللاشعور وكذا القوى الغريزية والروحية، المتصارعة أو الميالة إلى الانسجام داخل كل كائن بشري في شكل تعبير محسوس” [33]
هذه الملاحظة العامة جعلت الكاتب يتساءل عن الروابط التي تسمح لنا بالانتقال من الدلالات التعيينية المباشرة إلى الوجوه الإيحائية الممكنة. ليخلص إلى نتيجة أن أغلب الرموز الانتخابية في العلاقة بالسياق المغربي تنتمي إلى اليومي المباشر الخام وبالتالي فهي ذات دور تمييزي إيضاحي وليست رموزا بالمعنى الذي يعبر عن هوية بصرية بما ينسجم مع المفهوم العصري وما يعبر عن فلسفة الحزب وأهدافه في علاقة ذلك بتوجهاته السياسية والأيديولوجية. وخلاصة القول تنطبق على الرموز بمختلف مكوناتها اللسانية والأيقونية والتشكيلية. من ضمن الفرضيات التدليلية على ضحالة وبساطة بل سطحية أغلب الرموز الانتخابية وعلاقة ذلك بطبيعة الخطاب السياسي لأحزابها أن أغلب المترددين على الإعلام أيام الحملة الانتخابية يكتفون بالدعوة للتصويت على الرمز دون عناء شرح معناه وجوهره وأبعاده في العلاقة بالسياق الثقافي الذي يؤطر الحزب[34].
وفي انتقاده لمحتوى الرموز الانتخابية يخلص سعيد بنكراد إلى أن جلها مرتبط بالمحسوس حيث تجنبت الأحزاب اختيار تعبيرات فنية مجردة من ألوان وخطوط وأشكال هندسية من جهة لعدم صدقية خطابها ومن جهة أخرى لغياب استراتيجية تواصلية داخلية من شأنها الاشتغال على عمليات إخراج الخطاب السياسي لتقديمه للمواطنين بأبعاده اللسانية والأيقونية والتشكيلية. وهكذا استنتج الخلاصة التالية:
” والخلاصة إن هذه الكيانات ” الرمزية ” مجتمعة لا تقود المتأمل فيها إلى إثبات وجود رابط بينها وبين الأسس السياسية والفكرية التي قامت عليها هذه الأحزاب، ولهذا السبب سيكون من العبث البحث عن رابط فكري عميق يجمع بينها (ويقصد الأحزاب) وبين هذه الرموز”[35]
خاتمة
القارئ لمحاولة السيميائي سعيد بنكراد ” مسالك المعنى” والتي تندرج ضمن السيميائيات الـتأويلية المنفتحة على الكثير من المنجزات التي راكمها الكاتب نفسه وما جادت به السيميائيات في مختلف تقاليدها البحثية ومستجداتها وممارساتها المعاصرة، يكتشف مسالكا وآفاقا جديدة في القراءة والفهم والتحليل والتأويل والتأصيل في تربة عربية اعتادت في الكثير ممارسات باحثيها على سلك مسالك أغلبها مريح بالانتصار لرؤية جاهزة منهجا ومعرفة.
إنه من خلال هذه المحاولة المتفردة يقوم بحفريات في بعض الأنساق التي تحكم ثقافتنا العربية والمغربية ويكسر الكثير من اليقينيات والخطاطات الجاهزة التي حولها البعض لبديهيات تم تسويغها باعتماد مفاهيم علمية لكن الكثير منها يشكو من ضعف التدليل وانسجام التأويل. ولا تخفى على الدارسين صعوبة وإشكالات التأويل وارتباط ذلك بأسباب معرفية مرتبطة بذات الباحث وأخرى مرتبطة بالأنساق الثقافية والتي تتم إحاطتها أحيانا بسياجات القداسة.
الثابت أن النصوص ومختلف التعبيرات حمالة معنى، هذا الأخير ليس معطى جاهزا في مختلف التقاليد السيميائية. ولأن سعيد بنكراد لم يستكن لفهم العلامات وفك سننها في سانكرونيتها وتقريرها، بل طاردها وراودها في مسالك وعرة وضيقة، وهو بذلك يكون قد اختار أن يكون عن جدارة مؤسس السيميائية النقدية في المغرب الكبير والعالم العربي وهو واع بمخاطر التيه في المسالك بدل الاستكانة لما تراكم من فهم مستهلك لدجة تحوله لعادات وممارسات مكرورة محتمية بلغة اليقين والقداسة حيث يقول:
” وجب التعامل مع المعنى باعتباره كيانا هاربا باستمرار من حالات التعيين المباشر ليسكن الظل واللاشعور ورد الفعل المنفلت من كل رقابة. إنه يحيل على حالات تَيْه هو وحده يُجنّبُ الذات اليقين والأحكام القطعية”[36] .
[1] Merlin-Kajman. Hélène, la langue est-elle fasciste ? langue, pouvoir, enseignement, Seuil, Paris 2003, Leçon inaugurale de la chaire de sémiologie littéraire du Collège de France, Paris, Seuil, 1977,
https://doi.org/10.4000/labyrinthe.484
[2] Winkin Yves, La notion de rituel chez Goffman de la cérémonie à la séquence, Hermès, La Revue-cognition 2006, n°43, pp 69- 76.
[3] Eco Umberto. Pour une reformulation du concept de signe iconique, In : Communication, 29, 1978.Image(s) et culture(s) sous la direction de Christian Metz et Michel Rio, p174.
[4] Eco Umberto. In: Communications, 15, 1970. L’analyse des images. P45.
[5] المرجع نفسه، ص 49.
[6] إدريس جبري، سؤال السيميائيات المناضلة في أعمال سعيد بنكراد، المركز الثقافي للكتاب، 2025، ص 24.
[7] حوار أجراه بنكراد مع مجلة البلاغة وتحليل الخطاب، العدد 3، ص 134.
[8] Eco Umberto. In: Communications, 15, 1970. L’analyse des images. P.11.
[9] Charaudeau. Patrick, Langue et discours, éléments de sémiolinguistique. Théorie et Pratique, Hachette, 1983, Paris, p 50.
[10]Charaudeau. Patrick, la langue n’est pas sexiste : d’une intelligence du discours de féminisation, éd le bord de l’eau, 2021, p 26.
[11] Maingueneau. Dominique Analyser les textes de communication, Armand Colin,2016, p 49.
[12] Ibid. 47.
[13] Charaudeau. Patrick, Langue et discours, éléments de sémiolinguistique. Théorie et Pratique, Hachette, 1983, Paris, p24.
[14] Ibid. p108.
[15] سعيد بنكراد، مسالك المعنى: تأملات في بعض أنساق الثقافة العربية، المركز الثقافي للكتاب، الطبع الأولى، 2025، ص 8.
[16] نفس المرجع، ص 10
[17] نفس المرجع ص 13
[18] نفس المرجع ص 83
[19] نفس المرجع ص 83
[20] أبو حاتم سهيل بن محمد السجستاني، المذكر والمؤنث، تحقيق عزة حسن، دار الشرق العربي، بيروت ص 37، عند سعيد بنكراد، نفس المرجع، ص 84.
[21] Patrick. Charaudeau, la langue n’est pas sexiste : d’une intelligence du discours de féminisation, édit le bort de l’eau, 2021.
[22] نفس المرجع، ص 13.
[23] نفس المرجع، ص 14.
[24] نفس المرجع، ص 18.
[25] نفس المرجع، ص 21-24.
[26] نفس المرجع، ص 27.
[27] سعيد بنكراد، المرجع نفسه، ص 20.
[28] Gustave. Le Bon, psychologie des foules, édit Champs, Flammarion 2021, p 287. In Said Benkrad, Ibid, p29.
[29] سعيد بنكراد، نفس المرجع ص 20.
[30] سعيد بنكراد، نفس المرجع، ص 30.
[31] نفس المرجع، ص 47-48.
[32] نفس المرجع، ص 48.
[33] Alain. Gheerbrant, dictionnaire des symboles p. ꓦꓲꓲ. Jean Chevalier, In Said Bengrad, Ibid. 51.
[34] سعيد بنكراد، نفس المرجع، ص 56.
[35] نفس المرجع، ص 66.
[36] نفس المرجع، ص 265.
-
تكسير الأنساق في كتاب “مسالك المعنى” للسيميائي سعيد بنكراد
من السجل اللساني إلى السجل الموسوعي
رغم حداثة الدرس السيميائي في العالم العربي واقتصاره على تجارب أغلبها فردي فقد راكمت السيميائيات في المغرب تجارب ومنجزات متفردة بدأت مع الجيل الأول الذي نعتبره جيلا مؤسسا مع محمد مفتاح ومصطفى الشادلي وحنون مبارك.. هذا الأخير يؤكد في كتابه المرجعي ” دروس في السيميائيات” أن المنجز في العالم العربي أنداك غير مناسب لأي اتجاه من الاتجاهات التي بسطها في كتابه ونبه لأهمية السيميائيات التطبيقية[1]. مع مجيئ سعيد بنكراد حاملا لتجربة نظرية وميدانية من داخل مدرسة رائدة في تلك المرحلة وهي مدرسة باريس عرف الدرس السيميائي المغربي انتعاشة ثم تراكما كميا ونوعيا ملحوظا حيث أطر الكثير من البحوث في المجال وبالموازاة مع ذلك أخذ على عاتقه بناء تجربة سيميائية مغربية بأفق كوني من خلال منجز غزير زاوج بين التنظير والممارسة وقد أسعفته الترجمة في تخصيب وتطوير هذه التجربة المتفردة التي أصبحت مرجعا أساسيا في الدرس السيميائي على امتداد العالم العربي والمغرب الكبير.
ويعتبر الباحث والمفكر سعيد بنكراد في نظرنا أحد أعلام جيل جديد من السيميائيات في ارتباطه بقضايا المجتمع والثقافة عبر الوسائط اللغوية وغير اللفظية، فقد ساهم في توطين الدرس السيميائي في الجامعة المغربية وغيرها من خلال منجز غزير ومتنوع ومواكب لأسئلة العصر. إن منجز الباحث والمفكر سعيد بنكراد يندرج ضمن ما سمته كلوديا ستانكاتي “السيميائيات النقدية”[2] وصفة النقدية لا تؤتى بالضرورة إلا لمن كان متمردا وناقدا للأنساق الجاهزة ومكسرا لها حتى لو كان ذلك مكلفا.
هدفنا في هذه القراءة تلمس ملامح النقدية من خلال محاولته [3] ” مسالك المعنى: تأملات في الأنساق الثقافية العربية” حيث يعود من خلال مقالاته الشيقة والعميقة للحفر في ذاكرة لغوية وبصرية بحثا عن المنطق الثقافي مقترحا مسالك وطرقات محفوفة بمخاطر المتاهات منها ما هو مرتبط بتعقيد وتمنع المعنى وما هو مرتبط بطبيعة الأسئلة المطروحة بخصوص قضايا مقلقة ومحل جدال. نعتبر أن ما قام به الباحث سعيد بنكراد محاولة غير مسبوقة ونفترض أنه مقاربة تندرج فيما يسمى بالسيمائيات الثقافية بأفق بيثقافي معتمدا على تكامل التخصصات.
أهمية هذا النوع من المحاولات تكمن أيضا في كونه يوسع من دائرة الأنساق وينوع من أشكالها ولا يقف عند حدود اللساني الذي يهيمن على الخطاب بجميع مظاهره وتعبيراته. كما أن جمع الباحث في محاولته بين اللساني والأيقوني والتشكيلي وغيرها من التعبيرات الثقافية، وبناء على ما أوردناه نعلن اعتمادنا مقاربة سيميولسانية كما هي واردة عند باتريك شارودو مع استثمار ما له علاقة بالمجال موضوعا ومنهجا.
[1] مبارك حنون، دروس في السيميائيات، دار توبقال للنشر، الطبعة الأولى، 1987، مقدمة الكتاب
[2] Claudia Stancati, La Vie des idées , 16 décembre 2016. ISSN : 2105-3030.
[3] سعيد بنكراد، مسالك المعنى، تأملات في أنساق الثقافة المغربية، المركز الثقافي للكتاب، المغرب2025.
-
بعض مسارات النص الهجين
فؤاد هنو
من اتساق النص وانسجامه إلى تعدد الأنساق
“نعرف أننا لا يمكن أن نتصور حقيقة معنى ملفوظ خارج السياق. نفس الملفوظ في مكانين مختلفين يناسب خطابين مختلفين” [1]
فكما يقول الفرنسيون، أن “الكلمة لا تعيش إلا داخل الجملة”، نقول إن حياة ومعنى الملفوظ الفعلية في الخطاب وسياقه، بل نزعم أن لا حياة ولا استمرار لخطاب خارج السياق أو السياقات المتغيرة والمتجددة، وهي ما يبعث الحياة في خطاب أو خطابات كادت أن تنسى أو تموت، وهذا ما يفسر جزئيا خلود نصوص وتواري أخرى إلى حين إيجاد السياق الملائم لانبعاثها من رماد النسيان. هذا حال اللغات في جدلية الموت والحياة فالأمر سياقي تاريخي وليس مرتبطا بالضرورة بطبيعة نسقها. ولأن الخطاب يرتبط بخطابات أخرى سواء بصيغة تناص أو اقتباس أو إحالة أو غيرها، ولأن عملية التخاطب ليست فردية بل مشتركة، فإن مانغينو يعبر عن طبيعة جديدة للخطاب، تتجاور فيه خطابات، وأجناس مختلفة حيث يقول:
“إن نصا ما ليس منتوج متكلم واحد. وفي نقاش أو محادثة مقدمة وموزعة بين عدة متكلمين، يمكن أن يكون ذلك وفق تراتبية معينة. عندما يتعلق الأمر بخطاب منقول، أي عندما يدخل متكلم في مواقفه مواقف متكلم آخر، هذا التعدد في الأصوات هو الشكل الأول لعدم تجانس النصوص. شكل آخر لعدم التجانس: في نفس النص، غالبا ما نجد جمعا لعلامات لسانية وأخرى أيقونة وربما تشكيلية (صور، رسوم …) وبالتالي فتنوع تقنيات التسجيل واعادة تشكيل الصور والصوت تغير بشكل كبير المفهوم التقليدي للنص، لم يعد الأمر يتعلق فقط بمجموعة من العلامات على صفحة، يمكن أن تكون فيلما أو تسجيلا على شريط ممغنط أو قرصا مدمجا أو برنامجا أو مزيجا من العلامات اللفظية والموسيقى والصور على قارئ الصور” [2]
الطبيعة المتعددة للنصوص والخطابات والتي تكاد تكون هجينة في بعض الحالات وخاصة أمام زحف الرقمنة تجعلنا نسائل تمثلاتنا عن طبيعة النص وخصوصياته بل إن الأمر يدعونا للعودة للنقاش الابستيمي حول علاقة الوظيفة بالطبيعة أو البنية بمعناها العام الذي يتجاوز المذهب البنيوي، لسبب بسيط وهو أن البنيات عموما لم تعد تحظى بالتقديس كما كان الأمر سابقا. هل هو انتصار للوظيفية في زمن سمته العامة هي النفعية؟ أكيد أن الوظيفية استفادت من أفول نجم البنيوية لكن يبدو أن الأمر يتجاوز مجرد ربح مسافات في صراع الأفكار والمذاهب إلى تحول في نسق القيم في العلاقة بثنائية الغاية/الوسيلة مما يجعل الإشكال ذا بعد فلسفي وقيمي. السياق لا يسمح بالتوغل في الإجابة عليه، ونحن لا نزعم التوفر على إجابة شافية. ما سنقدمه بالتواضع اللازم بضع عناصر إجابة ممكنة.
إن الأدوات والوسائل المستعملة في الخطابات ليست محايدة كما قد نعتقد وهي ليست مجرد تقنيات نستثمرها دون أثر. منذ زمن بعيد، تحدث هيديغير Heidegger عن ميتافيزيقا التقنية، واليوم، أصبح الحديث عن ايديولوجيتها، فهي تغير كينونة النصوص والأشخاص والسلوكات، ويؤكد مانغينو ذلك قائلا:
“لقد أصبحنا اليوم نَعِي تدريجيا بأن الأداة (الوسيط)، ليست مجرد وسيلة لنقل الخطاب بل تشكل إكراها لمحتوياته وتتحكم في الاستعمالات التي نقوم بها. يظهر الوسيط ليس كمجرد وسيلة أو أداة لنقل رسالة قارة: إن تحولا هاما للوسيط يغير مجموع جنس خطابي” [3]
إن استعمال الصوت في الفن السابع لم يكن مجرد إحراء تقني بل كان علامة فارقة في تاريخ السينما، حيث حولت كينونتها طبيعةً ووظائف، لقد كانت ممانعة الكثير من المختصين في البداية وعلى رأسهم أحد أهرامات السينما العالمية وهو شارلي شابلان Charlie Chaplin دفاعا عن هذه الكينونة التي كان عمادها الصورة، لكن تجاور الصورة وعناصر فنية وتقنية أخرى جعلنا أمام جنس آخر، لأن تاريخ السينما يميز بين مرحلتين فارقتين في تاريخ هذا الجنس الفني. وكذلك كان مع مختلف الأجناس مما يجعلنا أمام جينيالوجيا الأجناس تستدعي قراءة وتفسير هذا التحول الذي بقدر ما يتيحه من إمكانات فإنه يطرح إكراهات تساءل طبيعة الجنس الخطابي، وهذا ما فتح الباب مشرعا أمام ما يسمى بالأجناس الهجينة.
من تعدد الأنساق إلى النص الهجين
لقد أصبحت الهجانة موضوعا أثيرا للكثير من النقاد والدارسين للنصوص الإلكترونية والرقمية بعد التراكم الذي حققته اللسانيات الحاسوبية بداية بمستويات اللغة تكثفت من خلال ما يسمى بالصناعة المعجمية. هذا المنجز والمتاح في نفس الوقت فتح آفاقا لإنتاجات نصية ذات طبيعة إلكترونية ورقمية. إن تطور مثل هذه الممارسات ولد وأنتج مفاهيم جديدة من مثيل عقد، روابط، النص المتعالق.. هذا الأخير وخلافا للنصوص الورقية أو ما قبل الرقمية بشكل أعم أصبح يأوي نصوصا وتعبيرات لفظية وغير لفظية تنتظم وفق ترتيب وهندسة مختلفين عن الطبيعة الخطية التتابعية المعهودة ويعرفه ثيودور هولم نيلسون قائلا:
«كتابة غير تتابعية–نصّا يتشعّب ويعطي القارئ خيارا، وخير مكان لقراءته هو شاشة تفاعلية، وكما هو مألوف لدى العامة، فإنه سلسلة من الكتل النصيّة تربطها حلقات وصل من شأنها أن تمنح القارئ مسارات مختلفة» [4]
النص المتعالق بالإضافة لكونه يؤلف بين عدة تعبيرات وأشكال مختلفة البنى والوظائف كان لحد قريب يصعب تصور اجتماعها في نص واحد سواء مع البنيوية التي كانت تفترض اكتفاء النص بذاته بعدما قتلت المؤلف أو الوظيفية التي ربطت اللغة والنصوص عموما بوظائف معينة لها ارتباط بالفرد والجماعات في العلاقة بالمجتمع ولا حتي مع بدايات ظهور تحليل الخطاب حيث كان التمييز واضحا وسهلا بين أنواع وأنماط الخطاب بحيث كان الأدب أدبا والسياسة سياسة والفن فنا لكن تطور المقاربات المبنية على تكامل التخصصات ودور الثورة التكنولوجية والتي عنوانها اليوم الهيمنة الرقمية كلها عوامل أصبحت تتيح إمكانيات قرائية مختلفة بفضل الوسيط التكنولوجي وخاصة الروابط المتاحة التي لم تعد مجرد أدوات لسانية كما كان الأمر في بدايات الحديث عن تحليل الخطاب.
وبناء على ذلك فمفاهيم أساسية من مثيل الاتساق والانسجام وغيرها وجب تكييفها لتصبح قادرة لفك تسنينات جديدة ذات طبيعة مختلفة ومتداخلة في انسجام آخر يخضع لنماذج دلالية أخرى باستحضار مصطلحات أمبرطو إيكو.
وفي بيان الفرق بين النصين الورقي والإلكتروني يقول سعيد يقطين:
إن النص ما قبل الرقمي بنيات وعلاقات، أما النص الرقمي فهو عقد وروابط، والكاتب “الحقيقي” هو من يحسن تقنيات استعمال البنيات وعلاقاتها، كما أن الكاتب الرقمي «الحقيقي” هو من يمتلك القدرة على توظيف العقد ويحسن بناءها ويتقن تشييد الروابط بينها اتقانا يراعي خصوصياتها الجمالية والدلالية التي تعطي إمكانيات هامة للمستعمل أو القارئ الرقمي ليرتحل في سد النص الرقمي بحيوية ودينامية مرنتين ومبدعتين» [5]
تطور النصوص في العلاقة مع الوسيط التكنولوجي ولد أنواعا جديدة من النصوص من بينها النص الشبكي أو النصوص التفاعلية عموما ويؤكد سعيد يقطين أن مفهوم النص المترابط Hypertexte محوري ويكاد يكون العامل الفارق الذي يشكل كينونة وخصوصية النص الرقمي والتي تسمح لنا بالانتقال من النص المقروء إلى النص المعاين Texte observable الذي أصبح قادرا على دمج بنيات وعقد تنتمي إلى أنظمة سيميائية مختلفة عن النص المكتوب [6].
هكذا يتضح أننا أمام خطابات أخرى من طبيعة أخرى ولها وظائف أخرى مما يتطلب منا إعادة بناء نماذج دلالية أخرى تستجيب لحاجيات النص من التحليل للكشف عن مدى اتساقه ومدى انسجامه وذلك بالحفر في العلاقات بين أجزاءه لعلنا نظفر بمتعة المعنى الخفي الذي يتجاوز التعبيرات والأجزاء المنفردة والبحث في نسيج النص عن المعنى الذي يليق بطبيعته وأدواته وسياقه وإكراهاته أيضا. الحديث عن الإكراهات هنا مرتبط بصعوبة التأويل ومخاطره من جهة وطبيعة النصوص المتجاورة في نفس الخطاب من جهة أخرى، وربما احتجنا أحيانا وأكثر من أي وقت مضى لتأويل مضاعف كما عبر عن ذلك أمبرطو إيكو الذي نبه دوما لأهمية النموذج الدلالي في قراءة وفهم النصوص والخطابات وخاصة عندما يتعلق الأمر بنصوص جديدة ومستجدة تنفلت لما راكمناه من نماذج جاهزة لا نحتاج لكبير جهد لتطبيقها على النصوص والخطابات خاصة وأن هذه النصوص والخطابات أو قل التعبيرات تأوي الكثير من الأنساق ولكل نسق تسنيناته وإحالاته وسيميائياته.
“الأدب التغريدي ” هو الآخر يندرج في إطار النصوص الرقمية ورغم عدم تداوله بشكل ملفت في السياق العربي فهو تعبير له قراؤه وكتابه ومن بين الأصول التي استفاد منها قصيدة الهايكو Haïku وكي ينسجم مع إكراهات الكتابة في الوسيط تويتر Twitter (x) حاليا كان لزاما ألا يتجاوز النص 140 رمزا، وهكذا قرأ رواد هذا الوسيط وغيرهم نصوصا وتقاسموها وتم تجميع هذه التغريدات في أعمال أدبية مختلفة الأجناس. جدية الأمر أدت بالمقتنعين بأهمية هذا الخطاب الهجين إلى تأسيس “معهد الأدب التغريدي الرقمي” Institut de Tuittérature comparée (ITC) وهم يقعدون لرؤيتهم بناء على أحقية جنس خطابي في الوجود، هذا الجنس مرتبط بتكنولوجيا خطابية ليست فقط ذات طبيعة لسانية بل يرفض رواد هذا التوجه المركزية اللسانية ويعتبرون أن الأجناس التي ولدت في سياق تكنولوجي وأدواتها تكنولوجية هي خطابات لها كينونتها وحقها في الوجود.
هذا النقاش ذكرنا بالنقاش الذي واكب ظهور السيميائيات ومرافعات السيميائيين أنداك من أجل ذلك. [7] وفي مقال لها تحت عنوان ” أجناس الخطاب والتكنولوجية الخطابية تخلص ماري آن بافو Marie Anne paveau لما يلي:
” الكتابة الرقمية تملك ملامح خاصة تسلمتها من الجهاز التكنولوجي، لكن هذه الملامح ليست مجرد ملامح إضافية لن يكون لها أثر على اللوجوس Logos ومركزية الكلام المعقلن Egocentrisme. هذه الملامح تغير طبيعة اللغة التي تختلط بالتكنولوجيا وبناء عليه فمستقبلا يجب أن نقر بأن داخل اللغة ليس هناك اللساني فقط. في نظري، الأمر ليس جديدا لكن العوالم الرقمية جعلته صريحا.” [8]
الباحثة هنا تقر بأن من داخل اللغة ليس هناك اللساني فقط وتعتبر أن هذه الحقيقة سابقة على زحف الرقمي وهذا الإقرار يؤكد ما ذهب إليه وبشكل صريح رولان بارط وأمبرطو إيكو منذ بداية اشتغالهما في الحقل السيميائي حيث رافعا عن أحقية الأنساق غير اللسانية في التواجد بعيدا عن المركزية اللسانية دون إلغاء دور اللغة باعتبارها من أرقى التعبيرات الثقافية. سوسير نفسه لمح لذلك وإن كانت أولويته في تلك المرحلة هي خلق قطيعة مع الدراسات السابقة بحيث تكون اللغة هي موضوع دراسته.
في مقال له بعنوان” الإبستيمولوجيا الاجتماعية” وباعتباره مختصا في الأدب الرقمي والكتابة الإلكترونية عموما يلفت سعيد يقطين الانتباه لظهور مفاهيم جديدة من مثيل المؤثر والناشط الحقوقي والوسيط الثقافي وارتباط ذلك بوسائط تكنولوجية واجتماعية ويقر أن تحولا وقع في الأدوار والوظائف في العلاقة بالمعارف وفي الحالة العربية يحمل مسؤولية ما ساد من هيمنة الرداءة والتفاهة لغياب الفاعلين الثقافيين الذين ساهموا في إنتاج الثقافة العربية قبل انتشار هذا الوسيط ليخلص لضرورة الاهتمام بإبستيمولوجيا اجتماعية ذات خصوصية عربية لتأسيس معرفة في بعدها الاجتماعي قابلة للتطوير والتقدم وغير ذلك فالسجال في نظره غير كاف للوقوف ضد التفاهة [9].
ويعتبر الشاعر والباحث مشتاق عباس معن من القلائل الذين جربوا نشر قصائد رقمية من بينها المجموعة التفاعلية الرقمية ” تباريح رقمية لسيرة بعضها أزرق” وقد لاقت اهتماما لدى المقتنعين بهذا التعبير الشعري الجديد والذي يدافع صاحبه عن أحقيته في الوجود على اعتبار أنه يستفيد من المتاح التكنولوجي والرقمي لتطوير ممارسات أدبية شعرية. وهو يدعو لضرورة إعادة النظر في نظرية الأدب وخاصة مفاهيم من مثيل الأجناس والأدبية والشعرية بما يدمج هذا المولود الجديد الذي يتيح إمكانيات تلقي جماليات متنوعة ومدمجة تستعين بالصوتي والأيقوني واللساني وفق هندسة رقمية وفنية في إطار تفاعلي. وتأصيلا لهذا المفهوم يعتبره الشاعر حاضرا في النقد العربي المعاصر غير أن الوسيط الجديد جعل هذا التفاعل حقيقيا وليس مجرد تفاعل محايد أو مجازي وهو يعتبر أن التفاعل أساسي ومحوري في تطوير هذا الجنس الأدبي [10].
تناسل هذه النصوص الإلكترونية والرقمية بقدر ما يعبر عن متاحات تقنية وفنية فهو وجه آخر لحدود إقبال الشباب على القراءة بشكلها ما قبل الرقمي مما يجعلنا نتساءل مرة أخرى عن حدود هذه الممارسات وإكراهاتها الفنية والتقنية وأثر ذلك على جودة النصوص وجماليتها بل يتحدث السيميائي سعيد بنكراد عن استحالة هذه الجمالية:
“وهذا مصدر القول باستحالة جماليات رقمية تقدم للعين ما هو أجمل مما يقوله اللفظ. فعلى عكس ما يمكن أن توحي به حالات التداخل الممكنة بين الأنساق، وعلى عكس ما توحي به الروابط التي تدفع النص إلى اقتراح انتقاءات متنوعة استنادا إلى وصف محدود لوضعيات محدودة، فإن مصدر الطاقة الانفعالية في التمثيل اللساني لا يكمن في تقديم معادلات نصية من خلال روابط هي، في نهاية الأمر وبدايته، وثيقة الصلة بقصدية أصلية هي قصدية المؤلف وحدها ولا شيء غيرها، فتلك نسخ محدودة رغم كثرتها وتنوعها، إن مصدرها هو ما لا تقوله هذه القصدية، أي ما ينبع من كل الإحالات غير المتوقعة من منطوق النص أو مفهومه، بل قد يكون ما يأتي به القارئ نقيضا لما توحي به هذه القصدية. إن الأمر يتعلق بلاوعي نصي مودع في ذوات تختلف عن بعضها البعض من حيث درجة الوعي والثقافة، ومن حيث الطاقات الانفعالية التي قد لا ترى من خلال ظاهر العلامة” [11]
مساحات لتفاوض الأجناس
بين الاحتفاء بالبعد الرقمي الذي أصبح ينفذ لجميع المجالات والنصوص التوثيقية والخطابات التي خضعت لإخراج أصحابها والذهاب بعيدا واعتبار النصوص الرقمية كينونة جديدة منسجمة مع طبيعة العصر والمرحلة لدرجة المطالبة بإعادة النظر في نظرية الأجناس ونظرية الأدب عموما ورأي ثالث يرافع عن استحالة الحديث عن الجمالية لابد أن هناك مساحات للتفاوض بين المجالات والتخصصات كما كان الأمر دوما في مراحل محددة موسومة بالتعقيد والتداخل بين التخصصات.
لاشك أن الرقمي شكل إضافات فارقة في مجال المعرفة والتحولات المجتمعية لكن المجالين الأدبي والفني والثقافي عموما ظلا من صميم الكينونة المنتجة والمبدعة نعم في تفاعل مع المتاح السياقي المحلي والكوني لكن خيطا ناظما في الأدب والفن ينبأنا بأن الجمالية مرتبطة برؤية الأنا في العلاقة بالمحيط والآخر. ونحن في زمن من سماتهه الأساسية الفردانية، كيف يمكن أن نتصور خطابا أدبيا وفنيا لا يكشف عن رؤية المنتج؟ عندما أقترب من صخب الحديث عن هيمنة الرقمي وأعود لتفاصيل الحياة اليومية التي أصبح يوجهها ويؤثثها الرقمي أقف مشدوها وحتى في لحظات التمرد تنتابنا حالات من العجز والضعف أمام هذه الآلة بالمعنى الابستيمي والايديولوجي.
عندما أستحضر واقع الذكاء الاصطناعي وتجلياته وزحفه على جميع المجالات وأعتى قلاعه التي هي التعليم والبحث العلمي وأرى هذا السيل من التوجيهات والبرامج والتكوينات لتعميق تواجد الذكاء الاصطناعي في جميع الممارسات بما فيها الممارسات التعليمية والبيداغوجية ورغم محاولات الممانعة التي أمارسها ويمارسها الكثير من الفاعلين في مختلف المجالات نظريا وميدانيا من خلال الممارسات. أعود للابستمولوجيا لطرح السؤال: هل الأمر يتعلق بعائق نظري وفكري يجعلنا عاجزين على التطور ونحتاج لقطيعة ابستمولوجية؟
أم أن الذكاء الاصطناعي على كثرة ما ساهم في تطور المعرفة والممارسات تحول لعائق وظيفي يمنعنا من التفكير وانتظار الجاهز من الاقتراحات والخطاطات والسيناريوهات؟ هنا يعود السؤال القيمي بقوة وتصبح العودة لفلسفة القيم والماهيات ضرورية. هل تحولت تعريفاتنا للانسان والآلة؟ كيف نحدد اليوم علاقتنا بالآلة ؟ وهي أسئلة تتجاوز نظرية الأدب واللسانيات وجميع التخصصات التي تفرعت منها إلى سؤال ابستيمي معرفي يحتاج نقاشا فكريا وفلسفيا بعيدا عن منطق القبائل المجالية والتخصصية.
المراجع
- Maingueneau. Dominique, Analyser les textes de communication, Armand Colin, 2016, p. 49.
- Ibid, p. 51.
- Ibid, p. 69.
- ميجان الرويلي وسعد البازعي، دليل الناقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط 3، 2022، ص 269.
- سعيد يقطين، فن الكتابة الرقمية (3): خصائص الكتابة الرقمية، مجلة الكلمة: http://www.alkalimah.net/Articles/Read/479
- سعيد يقطين، نفس المقال.
- Marie Anne Paveau, “Genre de discours et technologie discursive”, Pratiques 157-158/2013. https://doi.org/10.4000/pratiques.3533
- Ibid.
- سعيد يقطين، “الإبستيمولوجيا الاجتماعية”، القدس العربي، 9 يوليوز 2024.
- مشتاق عباس معان، “التفاعلية في الشعر الرقمي”، جلسات مجلة أيقونات، 2022: https://www.youtube.com/watch?v=STEfRansyW8
- سعيد بنكراد، “الأدب الرقمي، جماليات مستحيلة”، موقع الباحث (تاريخ الزيارة 20/07/2024): http://saidbengrad.free.fr/ar/numerique.htm
-
ملامح جديدة في خطاب الحركات الاجتماية ذات البعد السياسي:جيل زيد 212 GEN Z
فؤاد هنو
أستاذ حاصل على شهادة الدكتوراه في السيميائيات التطبيقية
جامعة مولاي إسماعيل، مكناس.
أن تقول معناه أن تفعل
“أن تؤول معناه، بالنسبة للمؤول، وضع فرضيات حول معرفة المتلفظ ووجهات هذا الأخير بالنظر لعرضه اللغوي وفي العلاقة بذاتك باعتبارك مرسلا إليه (كل تأويل هو محاكمة للنية)”. [1]
“فعل اللغة إذن نتيجة إخراج خطابي يقوم به المتكلم/المتلفظ والمخاطب/المؤول على السواء، من خلال مادة لغوية دلالية-صورية تنتظم في تعاقدات واستراتيجيات كلامية”. [2]
يجمل باتريك شارودو (Patrick Charaudeau) منتهى الكفاية السيميولسانية، بشكل متواضع، كما يلي:
“القيام بعملية تأويل في إطار تحليلنا السيميولساني هو العمل على ربط العلاقة بين مختلف مكونات التحليل اللساني الخطابي (دون ادعاء بأن هذه الأخيرة موضوعية بشكل مطلق) كي نستخرج الدلالة. هذه الدلالة المتعددة، والتي يجب اعتبارها مجرد مجموعة من الفرضيات التأويلية، وهي نتيجة تفكير مزدوج من طرف الذات المؤولة sujet interprétant […] سنجملها بالقول بأن فعل اللغة هو إخراج يبحث المتدخلون بأن يغروا ويقنعوا بعضهم البعض. ولتحقيق ذلك يلعبون عملية إنتاج آثار أحيانا تكون واقعية وأخرى تخييلية.” [3]
1) مدخل نظري: من النص إلى الخطاب ومن المعنى إلى التأويل
بفضل إنتاجات الدرس اللساني، وفي قلبه المقاربتين السيميائية والتداولية في عملية اتصال وانفصال دقيقة الفروق، اتسع مجال الخطاب وتعددت تصنيفاته. وانفتحت لسانيات الخطاب على مجالات متعددة انسجامًا مع رؤية جديدة ومعقدة لمفهوم النص/الخطاب والمعنى والفهم والتأويل.
ومع ذلك، فإن للفهم حدوده كما أكد على ذلك عبد السلام الإسماعيلي علوي في كتابه “حدود الفهم” [4]، وتحدث قبله أمبرطو إيكو عن حدود التأويل [5]، كما حذّر محمد مفتاح من هذيان التأويل عندما تنعدم أسبابه وشروطه.
2) جيل زيد 212: إشكال التسمية وبدايات التشكّل
عندما أخذ المجتمع المغربي—ومعه بقية العالم—علمًا بوجود هذه الكينونة أو الدينامية الاجتماعية الشبابية، احتار الدارسون في تسميتها وتصنيفها، بما فيهم أعضاؤها.
هذه المجموعة الكبيرة وغير المسبوقة المسماة جيل زيد 212 (GENZ) تتحدد:
- جيليًا: نسبة إلى فئة عمرية وُلدت تقريبًا بين سنتي 1990 و2010.
- مجاليًا: نسبة إلى المغرب، وهو ما تم الترميز له بالرمز الهاتفي 212.
وكان هذا التخصيص ضروريًا من منظور تواصلي، لأن هذه الكينونة مشتركة وعابرة للقارات. وهي، بالإضافة إلى أسباب تشكلها العامة والخاصة، مرتبطة بعلامات العولمة وبالوسيط التكنولوجي، وقد نشأت وتشكّل خطابها وبُثّ عبر وسائط اجتماعية—وفي الحالة المغربية تحديدًا—عبر تطبيق Discord.
3) من الدردشة إلى الفعل: لماذا فاجأت الحركة الجميع؟
لقد ارتبطت نشأة تطبيق ومنصة ديسكورد في البداية باللعب والدردشة في أقصى الحدود، حسب ما عبّر عنه أغلب مرتاديه. ونفترض أن طبيعة هذه النشأة جعلت أغلب المتدخلين لا يأخذون مأخذ الجدّ نقاشاتهم ودعواتهم وبياناتهم.
لهذا لم نر مجيء هذه الموجة من التعبيرات والاحتجاجات والمطالبات؛ بل إن أغلب المتتبعين—من سياسيين وصحفيين وباحثين في السياسة والسوسيولوجيا—لم يتنبؤوا بهذا الخروج الذي انطلق يومي 27 و28 شتنبر 2025.
4) «عندما تقول فأنت تفعل»: من القول إلى الفعل
لقد أكدت حركة جيل زيد إلى حدود اللحظة مقولة “عندما تقول فأنت تفعل” لصاحبها أوستين (J. L. Austin). وحتى عندما تغيّر مسارها بفعل عوامل ذاتية مرتبطة بطبيعة المجموعة وبنيتها ووظائفها وأدوات عملها وسياقها العام والمحلي بإحالتهما السياسية والتداولية، فهي قالت وفعلت—الآن وهنا على الأقل.
ويُعد الزمن والمكان من المكونات الأساسية لأي وضعية تخاطبية.
5) خطاب في مواجهة خطاب… أم تحليل خطاب؟
بمجرد خروج شباب جيل زيد إلى الشارع، بدأت التدوينات والتغريدات حول هذا الخطاب الذي انتقل من القول إلى الفعل ومن الافتراضي إلى الواقع.
وأغلب من كتبوا في الموضوع فعلوا ذلك لأنهم اقتنعوا ورأوا ولمسوا أن الأمر ليس مجرد قول صادر عن فئة عمرية اعتقد الكثير أنها خارج الفعل الاجتماعي، وأنها إمّا منقطعة عن قضايا المجتمع أو—في أحسن الأحوال—مرتبطة به وبقضايا أخرى عبر الوسيط التكنولوجي، وخاصة عبر وسائط التواصل الاجتماعي.
وقد كان ذلك ديدن أغلب المثقفين والسياسيين المغاربة مع عدة خطابات وتعبيرات ثقافية واجتماعية (الهيبي، الظاهرة الغيوانية، العيطة، الراب…). حيث يبدأ الأمر بالتجاهل والازدراء بأحكام قيمة، ثم عندما يفرض التعبير نفسه في الحياة الاجتماعية والثقافية، ويتحوّل إلى فعل ميداني ورمزي، ينتقل الفاعل السياسي والإعلامي إلى الاقتراب من الظاهرة.
وهنا يظهر ما يسمى في الأدبيات الصحافية والسياسية بـ la récupération، أو ما يسمى في الممارسات الصحفية والسياسية المغربية: الركوب على الأحداث بنيّات مغرضة.
6) المطالب الثلاثة وبنية الحركة: «بلا قيادة» أم «قيادة جماعية»؟
خرجت الحركة بشعارات مرتبطة بثلاث مطالب أساسية:
- إصلاح قطاع الصحة
- إصلاح التعليم
- محاربة الفساد
ولأول مرة في تاريخ المغرب المعاصر، سنأخذ علمًا بحركة نشيطة وقوية بدون قيادة—على مستوى الصورة المعلنة على الأقل.
ورغم مظاهر التشابه بمنطق الحركات الاجتماعية مع حركة 20 فبراير، فإن التحالفات التنظيمية والسياسية كانت واضحة على امتداد مسار تلك الحركة حتى عندما تراجع فعلها.
لكن هل فعلًا كانت حركة جيل زيد بدون قيادة؟ ما رأيناه من خلال تتبعنا من نقاشات وخطابات وتنظيم يقول إن الأمر غير صحيح. ويبدو—انسجامًا مع موقف الحركة من التنظيمات السياسية والمنظمات الحكومية وغير الحكومية، وربما استفادة من تجربة 20 فبراير—أنها احتاطت من مفهوم القيادة بالمعنى التقليدي، وانحازت مؤقتًا إلى القيادة الجماعية:
- الرأي حر
- القرار جماعي
- ولا أحد يملك حق الكلام باسم الحركة
7) التحول الرقمي والسياق المحلي: منطق الإظهار والإخفاء
اعتماد مفهوم القيادة الجماعية، من خلال ما تابعناه من نقاشات وتصريحات لبعض أعضائها واحتياطات تنظيمية، يجعلنا نفترض أن الجماعة واعية بالسياق المغربي ومخاطر ظهور زعامات الحركة، خاصة وأنها لم تكتس طابعها التنظيمي والقانوني الصرف مقارنة بالتنظيمات الكلاسيكية.
هل يتعلق الأمر بتنظيم جديد على صورة التحولات المجتمعية وفي قلبها التحول التكنولوجي، وخاصة الرقمي؟ نظريًا، الأمر مرتبط بهذا التحول الذي طال جميع مناحي الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية. بل إن الحروب نفسها أصبحت تأخذ هذا اللبوس، وأصبح من الصعب معرفة: من مع من ومن ضد من؟ وكيف تمت الحرب؟ وكيف حُسمت؟ وعلى أي معيار؟
لكن الأمر في نظرنا يتجاوز العامل الرقمي، ليشمل عاملًا محليًا سمته العامة الخوف من الظهور وتحمل المسؤولية بشكل علني، وهو مرتبط بسياق حقوق الإنسان وحرية التعبير في المغرب الكبير (شمال إفريقيا) والعالمين العربي والإسلامي.
وهو ما يفضي إلى ممارسة دقيقة بين الإظهار والإخفاء حسب السياقات الممكنة والمفترضة، خصوصًا في زمن معاصر مرتبط بسؤال الخصوصية ومواثيق استعمال الوسائط الاجتماعية.
8) اتساع القول على حساب «عدم القول»: الإيحاء بدل التقرير
تطور مطالب الحركة يوحي باتساع أفقها، أو—بلغة التداوليات—اتساع رقعة القول على حساب عدم القول، كما يذهب إلى ذلك أوزوولد ديكرو (Oswald Ducrot) في Dire et ne pas dire [6].
ويظهر ذلك أيضًا في الاستعانة بلغة الإيحاء بدل التقرير، تجنبًا للاصطدام وتقليصًا لإمكانيات التأويل المغرضة أو الموجهة.
9) خاتمة مفتوحة: دينامية في «كمون»
الزمن السياسي والاجتماعي غير كافيين للحسم في صيغة جواب نهائي، لكن الكثير من العناصر تؤشر على تظافر وتداخل هذه الأسباب في تفسير وضعية تخاطبية جديدة ومعقدة.
وهي وضعية تخضع لتغيرات متواترة بسبب تفاعل المتحاورين، وتغير السياقات، والحساب التأويلي المرتبط بتعدد الفاعلين في فكّ تسنينات وحدات المحتوى وتفاعل مختلف الكفايات التخاطبية [7].
لقد راهن الشباب على الإقناع بقولهم والفعالية بفعلهم. وراهن البعض على أفول نجم الحركة—بل ساهموا في ذلك—من خلال:
- تبخيس عملها في البداية
- التوجس من ارتباطاتها وأهدافها في مرحلة ثانية
- تجريمها في مرحلة ثالثة
ولا نعرف هل سيقف الأمر عند هذا الحد، على اعتبار أن الحركة في حالة كمون، أو—بتعبير أدق—في دينامية داخلية على تماس مع النقاش العمومي عبر مبادرات محسوبة ومتوجسة، خوفًا من استمرار التبخيس والتجريم في سياقين عام ومحلي موسومين بالكثير من المساحات الرمادية.
المراجع
- Charaudeau, Patrick. Langue et discours, éléments de sémiolinguistique. Théorie et Pratique. Hachette, 1983, Paris, p. 24.
- المرجع نفسه، ص. 58.
- المرجع نفسه، ص. 108.
- عبد السلام إسماعيلي علوي، حدود الفهم: دراسة سيميولسانية في تدبير الاختلاف، منشورات الدار التونسية للكتاب، تونس، 2018.
- Eco, Umberto. Les limites de l’interprétation. Librairie Générale, Paris, 1994, p. 70.
- Ducrot, Oswald. Dire et ne pas dire. Hermann, 1972.
- Kerbrat-Orecchioni, Catherine. L’implicite. Armand Colin éditeur, Paris, 1968, p. 300.
-
تحليل الخطاب بين مركزية اللساني ورحابة السيميائي
-
إشكالية البحث عن المعنى
-
القضية اللغوي مرة أخرى
-
Bonjour tout le monde !
Bienvenue dans WordPress ! Ceci est votre premier article. Modifiez-le ou supprimez-le, et lancez votre blog.