فؤاد هنو
من اتساق النص وانسجامه إلى تعدد الأنساق
“نعرف أننا لا يمكن أن نتصور حقيقة معنى ملفوظ خارج السياق. نفس الملفوظ في مكانين مختلفين يناسب خطابين مختلفين” [1]
فكما يقول الفرنسيون، أن “الكلمة لا تعيش إلا داخل الجملة”، نقول إن حياة ومعنى الملفوظ الفعلية في الخطاب وسياقه، بل نزعم أن لا حياة ولا استمرار لخطاب خارج السياق أو السياقات المتغيرة والمتجددة، وهي ما يبعث الحياة في خطاب أو خطابات كادت أن تنسى أو تموت، وهذا ما يفسر جزئيا خلود نصوص وتواري أخرى إلى حين إيجاد السياق الملائم لانبعاثها من رماد النسيان. هذا حال اللغات في جدلية الموت والحياة فالأمر سياقي تاريخي وليس مرتبطا بالضرورة بطبيعة نسقها. ولأن الخطاب يرتبط بخطابات أخرى سواء بصيغة تناص أو اقتباس أو إحالة أو غيرها، ولأن عملية التخاطب ليست فردية بل مشتركة، فإن مانغينو يعبر عن طبيعة جديدة للخطاب، تتجاور فيه خطابات، وأجناس مختلفة حيث يقول:
“إن نصا ما ليس منتوج متكلم واحد. وفي نقاش أو محادثة مقدمة وموزعة بين عدة متكلمين، يمكن أن يكون ذلك وفق تراتبية معينة. عندما يتعلق الأمر بخطاب منقول، أي عندما يدخل متكلم في مواقفه مواقف متكلم آخر، هذا التعدد في الأصوات هو الشكل الأول لعدم تجانس النصوص. شكل آخر لعدم التجانس: في نفس النص، غالبا ما نجد جمعا لعلامات لسانية وأخرى أيقونة وربما تشكيلية (صور، رسوم …) وبالتالي فتنوع تقنيات التسجيل واعادة تشكيل الصور والصوت تغير بشكل كبير المفهوم التقليدي للنص، لم يعد الأمر يتعلق فقط بمجموعة من العلامات على صفحة، يمكن أن تكون فيلما أو تسجيلا على شريط ممغنط أو قرصا مدمجا أو برنامجا أو مزيجا من العلامات اللفظية والموسيقى والصور على قارئ الصور” [2]
الطبيعة المتعددة للنصوص والخطابات والتي تكاد تكون هجينة في بعض الحالات وخاصة أمام زحف الرقمنة تجعلنا نسائل تمثلاتنا عن طبيعة النص وخصوصياته بل إن الأمر يدعونا للعودة للنقاش الابستيمي حول علاقة الوظيفة بالطبيعة أو البنية بمعناها العام الذي يتجاوز المذهب البنيوي، لسبب بسيط وهو أن البنيات عموما لم تعد تحظى بالتقديس كما كان الأمر سابقا. هل هو انتصار للوظيفية في زمن سمته العامة هي النفعية؟ أكيد أن الوظيفية استفادت من أفول نجم البنيوية لكن يبدو أن الأمر يتجاوز مجرد ربح مسافات في صراع الأفكار والمذاهب إلى تحول في نسق القيم في العلاقة بثنائية الغاية/الوسيلة مما يجعل الإشكال ذا بعد فلسفي وقيمي. السياق لا يسمح بالتوغل في الإجابة عليه، ونحن لا نزعم التوفر على إجابة شافية. ما سنقدمه بالتواضع اللازم بضع عناصر إجابة ممكنة.
إن الأدوات والوسائل المستعملة في الخطابات ليست محايدة كما قد نعتقد وهي ليست مجرد تقنيات نستثمرها دون أثر. منذ زمن بعيد، تحدث هيديغير Heidegger عن ميتافيزيقا التقنية، واليوم، أصبح الحديث عن ايديولوجيتها، فهي تغير كينونة النصوص والأشخاص والسلوكات، ويؤكد مانغينو ذلك قائلا:
“لقد أصبحنا اليوم نَعِي تدريجيا بأن الأداة (الوسيط)، ليست مجرد وسيلة لنقل الخطاب بل تشكل إكراها لمحتوياته وتتحكم في الاستعمالات التي نقوم بها. يظهر الوسيط ليس كمجرد وسيلة أو أداة لنقل رسالة قارة: إن تحولا هاما للوسيط يغير مجموع جنس خطابي” [3]
إن استعمال الصوت في الفن السابع لم يكن مجرد إحراء تقني بل كان علامة فارقة في تاريخ السينما، حيث حولت كينونتها طبيعةً ووظائف، لقد كانت ممانعة الكثير من المختصين في البداية وعلى رأسهم أحد أهرامات السينما العالمية وهو شارلي شابلان Charlie Chaplin دفاعا عن هذه الكينونة التي كان عمادها الصورة، لكن تجاور الصورة وعناصر فنية وتقنية أخرى جعلنا أمام جنس آخر، لأن تاريخ السينما يميز بين مرحلتين فارقتين في تاريخ هذا الجنس الفني. وكذلك كان مع مختلف الأجناس مما يجعلنا أمام جينيالوجيا الأجناس تستدعي قراءة وتفسير هذا التحول الذي بقدر ما يتيحه من إمكانات فإنه يطرح إكراهات تساءل طبيعة الجنس الخطابي، وهذا ما فتح الباب مشرعا أمام ما يسمى بالأجناس الهجينة.
من تعدد الأنساق إلى النص الهجين
لقد أصبحت الهجانة موضوعا أثيرا للكثير من النقاد والدارسين للنصوص الإلكترونية والرقمية بعد التراكم الذي حققته اللسانيات الحاسوبية بداية بمستويات اللغة تكثفت من خلال ما يسمى بالصناعة المعجمية. هذا المنجز والمتاح في نفس الوقت فتح آفاقا لإنتاجات نصية ذات طبيعة إلكترونية ورقمية. إن تطور مثل هذه الممارسات ولد وأنتج مفاهيم جديدة من مثيل عقد، روابط، النص المتعالق.. هذا الأخير وخلافا للنصوص الورقية أو ما قبل الرقمية بشكل أعم أصبح يأوي نصوصا وتعبيرات لفظية وغير لفظية تنتظم وفق ترتيب وهندسة مختلفين عن الطبيعة الخطية التتابعية المعهودة ويعرفه ثيودور هولم نيلسون قائلا:
«كتابة غير تتابعية–نصّا يتشعّب ويعطي القارئ خيارا، وخير مكان لقراءته هو شاشة تفاعلية، وكما هو مألوف لدى العامة، فإنه سلسلة من الكتل النصيّة تربطها حلقات وصل من شأنها أن تمنح القارئ مسارات مختلفة» [4]
النص المتعالق بالإضافة لكونه يؤلف بين عدة تعبيرات وأشكال مختلفة البنى والوظائف كان لحد قريب يصعب تصور اجتماعها في نص واحد سواء مع البنيوية التي كانت تفترض اكتفاء النص بذاته بعدما قتلت المؤلف أو الوظيفية التي ربطت اللغة والنصوص عموما بوظائف معينة لها ارتباط بالفرد والجماعات في العلاقة بالمجتمع ولا حتي مع بدايات ظهور تحليل الخطاب حيث كان التمييز واضحا وسهلا بين أنواع وأنماط الخطاب بحيث كان الأدب أدبا والسياسة سياسة والفن فنا لكن تطور المقاربات المبنية على تكامل التخصصات ودور الثورة التكنولوجية والتي عنوانها اليوم الهيمنة الرقمية كلها عوامل أصبحت تتيح إمكانيات قرائية مختلفة بفضل الوسيط التكنولوجي وخاصة الروابط المتاحة التي لم تعد مجرد أدوات لسانية كما كان الأمر في بدايات الحديث عن تحليل الخطاب. وبناء على ذلك فمفاهيم أساسية من مثيل الاتساق والانسجام وغيرها وجب تكييفها لتصبح قادرة لفك تسنينات جديدة ذات طبيعة مختلفة ومتداخلة في انسجام آخر يخضع لنماذج دلالية أخرى باستحضار مصطلحات أمبرطو إيكو.
وفي بيان الفرق بين النصين الورقي والإلكتروني يقول سعيد يقطين:
إن النص ما قبل الرقمي بنيات وعلاقات، أما النص الرقمي فهو عقد وروابط،
والكاتب “الحقيقي” هو من يحسن تقنيات استعمال البنيات وعلاقاتها، كما أن الكاتب
الرقمي «الحقيقي” هو من يمتلك القدرة على توظيف العقد ويحسن بناءها ويتقن تشييد
الروابط بينها اتقانا يراعي خصوصياتها الجمالية والدلالية التي تعطي إمكانيات هامة
للمستعمل أو القارئ الرقمي ليرتحل في سد النص الرقمي بحيوية ودينامية مرنتين
ومبدعتين» [5]
تطور النصوص في العلاقة مع الوسيط التكنولوجي ولد أنواعا جديدة من النصوص من بينها النص الشبكي أو النصوص التفاعلية عموما ويؤكد سعيد يقطين أن مفهوم النص المترابط Hypertexte محوري ويكاد يكون العامل الفارق الذي يشكل كينونة وخصوصية النص الرقمي والتي تسمح لنا بالانتقال من النص المقروء إلى النص المعاين Texte observable الذي أصبح قادرا على دمج بنيات وعقد تنتمي إلى أنظمة سيميائية مختلفة عن النص المكتوب [6].
هكذا يتضح أننا أمام خطابات أخرى من طبيعة أخرى ولها وظائف أخرى مما يتطلب منا إعادة بناء نماذج دلالية أخرى تستجيب لحاجيات النص من التحليل للكشف عن مدى اتساقه ومدى انسجامه وذلك بالحفر في العلاقات بين أجزاءه لعلنا نظفر بمتعة المعنى الخفي الذي يتجاوز التعبيرات والأجزاء المنفردة والبحث في نسيج النص عن المعنى الذي يليق بطبيعته وأدواته وسياقه وإكراهاته أيضا. الحديث عن الإكراهات هنا مرتبط بصعوبة التأويل ومخاطره من جهة وطبيعة النصوص المتجاورة في نفس الخطاب من جهة أخرى، وربما احتجنا أحيانا وأكثر من أي وقت مضى لتأويل مضاعف كما عبر عن ذلك أمبرطو إيكو الذي نبه دوما لأهمية النموذج الدلالي في قراءة وفهم النصوص والخطابات وخاصة عندما يتعلق الأمر بنصوص جديدة ومستجدة تنفلت لما راكمناه من نماذج جاهزة لا نحتاج لكبير جهد لتطبيقها على النصوص والخطابات خاصة وأن هذه النصوص والخطابات أو قل التعبيرات تأوي الكثير من الأنساق ولكل نسق تسنيناته وإحالاته وسيميائياته.
“الأدب التغريدي ” هو الآخر يندرج في إطار النصوص الرقمية ورغم عدم تداوله بشكل ملفت في السياق العربي فهو تعبير له قراؤه وكتابه ومن بين الأصول التي استفاد منها قصيدة الهايكو Haïku وكي ينسجم مع إكراهات الكتابة في الوسيط تويتر Twitter (x) حاليا كان لزاما ألا يتجاوز النص 140 رمزا، وهكذا قرأ رواد هذا الوسيط وغيرهم نصوصا وتقاسموها وتم تجميع هذه التغريدات في أعمال أدبية مختلفة الأجناس. جدية الأمر أدت بالمقتنعين بأهمية هذا الخطاب الهجين إلى تأسيس “معهد الأدب التغريدي الرقمي” Institut de Tuittérature comparée (ITC) وهم يقعدون لرؤيتهم بناء على أحقية جنس خطابي في الوجود، هذا الجنس مرتبط بتكنولوجيا خطابية ليست فقط ذات طبيعة لسانية بل يرفض رواد هذا التوجه المركزية اللسانية ويعتبرون أن الأجناس التي ولدت في سياق تكنولوجي وأدواتها تكنولوجية هي خطابات لها كينونتها وحقها في الوجود.
هذا النقاش ذكرنا بالنقاش الذي واكب ظهور السيميائيات ومرافعات السيميائيين أنداك من أجل ذلك. [7] وفي مقال لها تحت عنوان ” أجناس الخطاب والتكنولوجية الخطابية تخلص ماري آن بافو Marie Anne paveau لما يلي:
” الكتابة الرقمية تملك ملامح خاصة تسلمتها من الجهاز التكنولوجي، لكن هذه الملامح ليست مجرد ملامح إضافية لن يكون لها أثر على اللوجوس Logos ومركزية الكلام المعقلن Egocentrisme. هذه الملامح تغير طبيعة اللغة التي تختلط بالتكنولوجيا وبناء عليه فمستقبلا يجب أن نقر بأن داخل اللغة ليس هناك اللساني فقط. في نظري، الأمر ليس جديدا لكن العوالم الرقمية جعلته صريحا.” [8]
الباحثة هنا تقر بأن من داخل اللغة ليس هناك اللساني فقط وتعتبر أن هذه الحقيقة سابقة على زحف الرقمي وهذا الإقرار يؤكد ما ذهب إليه وبشكل صريح رولان بارط وأمبرطو إيكو منذ بداية اشتغالهما في الحقل السيميائي حيث رافعا عن أحقية الأنساق غير اللسانية في التواجد بعيدا عن المركزية اللسانية دون إلغاء دور اللغة باعتبارها من أرقى التعبيرات الثقافية. سوسير نفسه لمح لذلك وإن كانت أولويته في تلك المرحلة هي خلق قطيعة مع الدراسات السابقة بحيث تكون اللغة هي موضوع دراسته.
في مقال له بعنوان” الإبستيمولوجيا الاجتماعية” وباعتباره مختصا في الأدب الرقمي والكتابة الإلكترونية عموما يلفت سعيد يقطين الانتباه لظهور مفاهيم جديدة من مثيل المؤثر والناشط الحقوقي والوسيط الثقافي وارتباط ذلك بوسائط تكنولوجية واجتماعية ويقر أن تحولا وقع في الأدوار والوظائف في العلاقة بالمعارف وفي الحالة العربية يحمل مسؤولية ما ساد من هيمنة الرداءة والتفاهة لغياب الفاعلين الثقافيين الذين ساهموا في إنتاج الثقافة العربية قبل انتشار هذا الوسيط ليخلص لضرورة الاهتمام بإبستيمولوجيا اجتماعية ذات خصوصية عربية لتأسيس معرفة في بعدها الاجتماعي قابلة للتطوير والتقدم وغير ذلك فالسجال في نظره غير كاف للوقوف ضد التفاهة [9].
ويعتبر الشاعر والباحث مشتاق عباس معن من القلائل الذين جربوا نشر قصائد رقمية من بينها المجموعة التفاعلية الرقمية ” تباريح رقمية لسيرة بعضها أزرق” وقد لاقت اهتماما لدى المقتنعين بهذا التعبير الشعري الجديد والذي يدافع صاحبه عن أحقيته في الوجود على اعتبار أنه يستفيد من المتاح التكنولوجي والرقمي لتطوير ممارسات أدبية شعرية. وهو يدعو لضرورة إعادة النظر في نظرية الأدب وخاصة مفاهيم من مثيل الأجناس والأدبية والشعرية بما يدمج هذا المولود الجديد الذي يتيح إمكانيات تلقي جماليات متنوعة ومدمجة تستعين بالصوتي والأيقوني واللساني وفق هندسة رقمية وفنية في إطار تفاعلي. وتأصيلا لهذا المفهوم يعتبره الشاعر حاضرا في النقد العربي المعاصر غير أن الوسيط الجديد جعل هذا التفاعل حقيقيا وليس مجرد تفاعل محايد أو مجازي وهو يعتبر أن التفاعل أساسي ومحوري في تطوير هذا الجنس الأدبي [10].
تناسل هذه النصوص الإلكترونية والرقمية بقدر ما يعبر عن متاحات تقنية وفنية فهو وجه آخر لحدود إقبال الشباب على القراءة بشكلها ما قبل الرقمي مما يجعلنا نتساءل مرة أخرى عن حدود هذه الممارسات وإكراهاتها الفنية والتقنية وأثر ذلك على جودة النصوص وجماليتها بل يتحدث السيميائي سعيد بنكراد عن استحالة هذه الجمالية:
“وهذا مصدر القول باستحالة جماليات رقمية تقدم للعين ما هو أجمل مما يقوله اللفظ. فعلى عكس ما يمكن أن توحي به حالات التداخل الممكنة بين الأنساق، وعلى عكس ما توحي به الروابط التي تدفع النص إلى اقتراح انتقاءات متنوعة استنادا إلى وصف محدود لوضعيات محدودة، فإن مصدر الطاقة الانفعالية في التمثيل اللساني لا يكمن في تقديم معادلات نصية من خلال روابط هي، في نهاية الأمر وبدايته، وثيقة الصلة بقصدية أصلية هي قصدية المؤلف وحدها ولا شيء غيرها، فتلك نسخ محدودة رغم كثرتها وتنوعها، إن مصدرها هو ما لا تقوله هذه القصدية، أي ما ينبع من كل الإحالات غير المتوقعة من منطوق النص أو مفهومه، بل قد يكون ما يأتي به القارئ نقيضا لما توحي به هذه القصدية. إن الأمر يتعلق بلاوعي نصي مودع في ذوات تختلف عن بعضها البعض من حيث درجة الوعي والثقافة، ومن حيث الطاقات الانفعالية التي قد لا ترى من خلال ظاهر العلامة” [11]
مساحات لتفاوض الأجناس
بين الاحتفاء بالبعد الرقمي الذي أصبح ينفذ لجميع المجالات والنصوص التوثيقية والخطابات التي خضعت لإخراج أصحابها والذهاب بعيدا واعتبار النصوص الرقمية كينونة جديدة منسجمة مع طبيعة العصر والمرحلة لدرجة المطالبة بإعادة النظر في نظرية الأجناس ونظرية الأدب عموما ورأي ثالث يرافع عن استحالة الحديث عن الجمالية لابد أن هناك مساحات للتفاوض بين المجالات والتخصصات كما كان الأمر دوما في مراحل محددة موسومة بالتعقيد والتداخل بين التخصصات. لاشك أن الرقمي شكل إضافات فارقة في مجال المعرفة والتحولات المجتمعية لكن المجالين الأدبي والفني والثقافي عموما ظلا من صميم الكينونة المنتجة والمبدعة نعم في تفاعل مع المتاح السياقي المحلي والكوني لكن خيطا ناظما في الأدب والفن ينبأنا بأن الجمالية مرتبطة برؤية الأنا في العلاقة بالمحيط والآخر. ونحن في زمن من سماتهه الأساسية الفردانية، كيف يمكن أن نتصور خطابا أدبيا وفنيا لا يكشف عن رؤية المنتج؟ عندما أقترب من صخب الحديث عن هيمنة الرقمي وأعود لتفاصيل الحياة اليومية التي أصبح يوجهها ويؤثثها الرقمي أقف مشدوها وحتى في لحظات التمرد تنتابنا حالات من العجز والضعف أمام هذه الآلة بالمعنى الابستيمي والايديولوجي. عندما أستحضر واقع الذكاء الاصطناعي وتجلياته وزحفه على جميع المجالات وأعتى قلاعه التي هي التعليم والبحث العلمي وأرى هذا السيل من التوجيهات والبرامج والتكوينات لتعميق تواجد الذكاء الاصطناعي في جميع الممارسات بما فيها الممارسات التعليمية والبيداغوجية ورغم محاولات الممانعة التي أمارسها ويمارسها الكثير من الفاعلين في مختلف المجالات نظريا وميدانيا من خلال الممارسات. أعود للابستمولوجيا لطرح السؤال: هل الأمر يتعلق بعائق نظري وفكري يجعلنا عاجزين على التطور ونحتاج لقطيعة ابستمولوجية؟ أم أن الذكاء الاصطناعي على كثرة ما ساهم في تطور المعرفة والممارسات تحول لعائق وظيفي يمنعنا من التفكير وانتظار الجاهز من الاقتراحات والخطاطات والسيناريوهات؟ هنا يعود السؤال القيمي بقوة وتصبح العودة لفلسفة القيم والماهيات ضرورية. هل تحولت تعريفاتنا للانسان والآلة؟ كيف نحدد اليوم علاقتنا بالآلة ؟ وهي أسئلة تتجاوز نظرية الأدب واللسانيات وجميع التخصصات التي تفرعت منها إلى سؤال ابستيمي معرفي يحتاج نقاشا فكريا وفلسفيا بعيدا عن منطق القبائل المجالية والتخصصية.
- Maingueneau. Dominique, Analyser les textes de communication, Armand Colin, 2016, p. 49.
- Ibid, p. 51.
- Ibid, p. 69.
- ميجان الرويلي وسعد البازعي، دليل الناقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط 3، 2022، ص 269.
- سعيد يقطين، فن الكتابة الرقمية (3): خصائص الكتابة الرقمية، مجلة الكلمة: http://www.alkalimah.net/Articles/Read/479
- سعيد يقطين، نفس المقال.
- Marie Anne Paveau, “Genre de discours et technologie discursive”, Pratiques 157-158/2013. https://doi.org/10.4000/pratiques.3533
- Ibid.
- سعيد يقطين، “الإبستيمولوجيا الاجتماعية”، القدس العربي، 9 يوليوز 2024.
- مشتاق عباس معان، “التفاعلية في الشعر الرقمي”، جلسات مجلة أيقونات، 2022: https://www.youtube.com/watch?v=STEfRansyW8
- سعيد بنكراد، “الأدب الرقمي، جماليات مستحيلة”، موقع الباحث (تاريخ الزيارة 20/07/2024): http://saidbengrad.free.fr/ar/numerique.htm
أضف تعليق