تكسير الأنساق في كتاب “مسالك المعنى” للسيميائي سعيد بنكراد

من السجل اللساني إلى السجل الموسوعي

رغم حداثة الدرس السيميائي في العالم العربي واقتصاره على تجارب أغلبها فردي فقد راكمت السيميائيات في المغرب تجارب ومنجزات متفردة بدأت مع الجيل الأول الذي نعتبره جيلا مؤسسا مع محمد مفتاح ومصطفى الشادلي وحنون مبارك.. هذا الأخير يؤكد في كتابه المرجعي ” دروس في السيميائيات”   أن المنجز في العالم العربي أنداك غير مناسب لأي اتجاه من الاتجاهات التي بسطها في كتابه ونبه لأهمية السيميائيات التطبيقية[1]. مع مجيئ سعيد بنكراد حاملا لتجربة نظرية وميدانية من داخل مدرسة رائدة في تلك المرحلة وهي مدرسة باريس عرف الدرس السيميائي المغربي انتعاشة ثم تراكما كميا ونوعيا ملحوظا حيث أطر الكثير من البحوث في المجال وبالموازاة مع ذلك أخذ على عاتقه بناء تجربة سيميائية مغربية بأفق كوني من خلال منجز غزير زاوج بين التنظير والممارسة وقد أسعفته الترجمة في تخصيب وتطوير هذه التجربة المتفردة التي أصبحت مرجعا أساسيا في الدرس السيميائي على امتداد العالم العربي والمغرب الكبير.

ويعتبر الباحث والمفكر سعيد بنكراد في نظرنا أحد أعلام جيل جديد من السيميائيات في ارتباطه بقضايا المجتمع والثقافة عبر الوسائط اللغوية وغير اللفظية، فقد ساهم في توطين الدرس السيميائي في الجامعة المغربية وغيرها من خلال منجز غزير ومتنوع ومواكب لأسئلة العصر. إن منجز الباحث والمفكر سعيد بنكراد يندرج ضمن ما سمته كلوديا ستانكاتي  “السيميائيات النقدية”[2] وصفة النقدية لا تؤتى بالضرورة إلا لمن كان متمردا وناقدا للأنساق الجاهزة ومكسرا لها حتى لو كان ذلك مكلفا.

هدفنا في هذه القراءة تلمس ملامح النقدية من خلال محاولته [3] ” مسالك المعنى: تأملات في الأنساق الثقافية العربية” حيث يعود من خلال مقالاته الشيقة والعميقة للحفر في ذاكرة لغوية وبصرية بحثا عن المنطق الثقافي مقترحا مسالك وطرقات محفوفة بمخاطر المتاهات منها ما هو مرتبط بتعقيد وتمنع المعنى وما هو مرتبط بطبيعة الأسئلة المطروحة بخصوص قضايا مقلقة ومحل جدال.  نعتبر أن ما قام به الباحث سعيد بنكراد محاولة غير مسبوقة  ونفترض أنه مقاربة تندرج فيما يسمى بالسيمائيات الثقافية بأفق بيثقافي معتمدا على تكامل التخصصات.

أهمية هذا النوع من المحاولات تكمن أيضا في كونه يوسع من دائرة الأنساق وينوع من أشكالها ولا يقف عند حدود اللساني الذي يهيمن على الخطاب بجميع مظاهره وتعبيراته. كما أن جمع الباحث في محاولته بين اللساني والأيقوني والتشكيلي وغيرها من التعبيرات الثقافية، وبناء على ما أوردناه نعلن اعتمادنا مقاربة سيميولسانية كما هي واردة عند باتريك شارودو مع استثمار ما له علاقة بالمجال موضوعا ومنهجا.


[1] مبارك حنون، دروس في السيميائيات، دار توبقال للنشر، الطبعة الأولى، 1987، مقدمة الكتاب

[2] Claudia Stancati, La Vie des idées , 16 décembre 2016. ISSN : 2105-3030.

[3] سعيد بنكراد، مسالك المعنى، تأملات في أنساق الثقافة المغربية، المركز الثقافي للكتاب، المغرب2025.

اترك تعليقًا